اخويا اتجوز سنه واحده روماني مكرم
المحتويات
إلى فاتن، وعيناه تدوران بينهما بذهول وصدمة زلزلت كيانه.
نظر إليّ وعيناه ممتلئتان بالدموع وقال بصوت خافت مكسور
ماما.. مين الناس دول؟ وليه بيقولوا الكلام ده؟
ارتمت فاتن فجأة نحو الولد وحاولت أن تمسك بيده وهي تبكي دموعًا مزيفة
أنا أمك يا أحمد.. أنا اللي ولدتك وتعبت فيك، بس الظروف هي اللي رمتنا بعيد عن بعض. أنا جاية أخدك في حضني وجوزي هيعملك كل اللي نفسك فيه.
تراجع أحمد خطوتين للوراء وكأنه لمس جمرة نار، ونظر إلى يدها باشمئزاز ثم نظر إليّ وقال
دي أمي؟ دي الست اللي كنت بسألك عليها وزمان وكنتِ بتقوليلي إنها مسافرة؟
قبل أن أنطق، دفع سيد محمود بغشم وقال بصوت عالٍ
أنا مش هسيب ابني هنا، الولد ده هيمشي معايا دلوقتي، أوراقه معايا وأنا أبوه الشرعي والقانون معايا، ولو مجاش بالذوق هييجي بالقانون والمحاكم، ومش هسيبكم تضيعوا مستقبله عشان أنانيتكم!
أحمد وقف بثبات فجأة، والدموع التي كانت في عينيه جفت، وحلت محلها نظرة حادة قوية، تنم عن ضابط مستقبلي يعرف كيف يواجه الخصوم. نظر إلى أبيه سيد وقال بلهجة حاسمة هزت أركان الصالة
أنا
الجزء الثالث صفعة القوانين والقلوب
تردد صدى صوت أحمد في أركان الصالة، وبدا سيد وفاتن وكأنهما ينتظران كنزاً سيهبط عليهما من السماء. التفت أحمد بكامل جسده نحو سيد، وبنبرة جافة خالية من أي مشاعر قال
أنت بتقول إنك أبويا بالقانون؟ القانون اللي أنت فاكره لعبة ده، أول حاجة بيعلمها للي هيدخلوا كلية الشرطة هي الحق والعدل. أنت رميتني وكنت مستني أموت من الجوع أو أترمي في ملجأ، وجاي دلوقتي تدور على الاسم والوجاهة الاجتماعية؟
احمرّ وجه سيد من الغضب وتلعثم، لكن زوجته الجديدة حثته بنظرة قاسية،
جرى إيه يا ولد؟ أنت هتقف وتتمنظر عليا؟ أنا أبوك غصب عنك، والورق ورقنا، ومفيش دخول كلية من غير موافقتي وإمضتي على الإقرارات، وجوز أمك واقف تحت في العربية ومعاه ناس تقال يقدروا يخلصوا كل حاجة، بلاش تقلب نعمتك وتضيع مستقبلك بإيدك!
هنا تدخلت فاتن وهي تصطنع الرقة وتحاول الاقتراب منه مجدداً وقالت
يا أحمد يا ابني، اسمع كلامنا، إحنا مصلحتك تهمنا، بكره لما تبقى ظابط بشنباتك هتعرف قيمة الاسم والعز اللي هنعيشك فيه، سيبك من خالتك وجوزها، دول ناس على قد حالهم ومش هيقدروا يماشوا طلبات الكلية ومصاريفها ولا كشوفاتها.
في هذه اللحظة، تقدم زوجي محمود بخطوات ثابتة، ووقف حائلاً بينها وبين أحمد، ونظر إلى سيد وفاتن بنظرة احتقار هزت ثقتهم وقال
المصاريف والطلبات اللي بتتكلموا عليها دي أنا شايلها من يوم ما كان الولد ده حتة لحمة حمرا في لفته. دكتور أحمد، ولبس أحمد، وتعليم أحمد، كله من شقايا وعرقي ومستخسرتش فيه قرش. ومستعد أبيع بيتي ده عشان يدخل الكلية اللي بيحلم بيها، ف اخرجوا بره من غير شوشرة، والباب يفوت جمل.
زعق سيد بأعلى صوته وهو بيطلع تليفونه
مش هخرج! والواد ده هاخده معايا ورجله فوق رقبته، وإلا هطلب شرطة النجدة وأعملكم محضر خطف حياز عيل، وأقلبها طربيزة على الكل وأضيعله الكلية خالص!
التفت أحمد بكل هدوء نحو محمود ونحوي، وطمأننا بنظرة عينيه التي انمحت منها الصدمة وحل محلها ثبات غريب. ثم التفت إلى سيد وقال له ببرود قاتل
اطلب النجدة يا سيد بيه. اطلبها عشان لما ييجوا، هطلب شهادة الجيران كلهم اللي شافوا أمي وهي بترميني على العتبة من تمنتاشر سنة، وهطلب شهادة المحضر القديم اللي خالتك عملتهولك في القسم
تراجعت فاتن خطوة للخلف، وبدأ التوتر يظهر على وجه سيد، فالكلام الذي قاله أحمد لم يكن كلام طفل، بل كلام رجل قانون يفهم أبعاد كل كلمة.
وفي وسط هذا الشد والجذب، انفتح باب الشقة فجأة، ودخل منه رجل يرتدي بدلة أنيقة، ويبدو على وجهه الصرامة، ونظر إلى سيد وفاتن وقال بصوت جهوري
جرى إيه يا سيد؟ تأخرت ليه كل ده؟ والورق فين؟
عرفت فوراً من نظرات فاتن المرتبكة أن هذا هو زوجها الجديد الذي تحدثوا عنه، الرجل صاحب النفوذ الذي جاء ليأخذ أحمد ويستغل اسمه مستقبلاً. نظر الرجل إلى أحمد، ثم نظر إليّ وإلى محمود، وابتسم ابتسامة خبيثة تنم عن شر جديد قادم في الطريق
وقف الرجل صاحب البدلة الأنيقة في وسط الصالة، يوزع نظراته المتكبرة على جدران شقتنا المتواضعة، وكأن وجوده في هذا المكان يقلل من شأنه. تقدمت فاتن نحوه بسرعة وهي تحاول لملمة ارتباكها، وقالت بصوت خافت مسموع
أهو أحمد أهو يا مدحت بيه.. ده ابني اللي كلمتك عنه، طالع الأول على المحافظة، بس خالتك وجوزها واكلين عقله ومش عايزين يخلونا نأمن مستقبله ويرجع لحضن أبوه.
أدار مدحت وجهه نحو أحمد، ورمقه بنظرة فاحصة من أسفل إلى أعلى، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة ثقة باردة. خطى خطوات بطيئة واثقة ونظر إلى زوجي محمود وقال بنبرة مليئة بالاستعلاء
أنا مدحت الشناوي.. وأظن الاسمي غني عن التعريف في الديرة هنا. أنا مقدر يا حاج محمود إنك ربيت وصرفت، والناس هنا ولاد أصول ومبينكروش الجميل، لكن إحنا
كان محمود يقف كالوتد، لم تهزه الكلمات الرنانة ولا النبرة المتعالية. ضغط على يد أحمد التي كانت على كتفه، ورد بصوت جهوري هز أرجاء الشقة
أهلاً يا مدحت بيه.. والأسماء الكبيرة بنحترمها لما تحترم بيوت الناس. الولد ده ظهره ربنا اللي حماه وهو حتة لحمة حمراء لما أبوه وأمه رموه. والملف النظيف اللي بتتكلم عنه، أحمد نظفه بأدبه وأخلاقه وبتفوقه اللي خلاه الأول على المحافظة كلها من غير ما حد فيكم يديله قلم أو يشتريله كتاب. اتفضل خدهم واخرج بره، مفيش ورق هيتمضي هنا، ومستقبل أحمد مش للبيع ولا للإيجار في سوق نفوذكم.
تغيرت ملامح مدحت فجأة، واختفت الابتسامة الباردة لتحل محلها نظرة شرسة. التفت إلى سيد وقال له بحسم
جرى إيه يا سيد؟ أنت مش قايل لي إنك الأب الشرعي ومعاك شهادة الميلاد وكل الأوراق؟ اخلص وامضي الإقرارات وخد ابنك، أنا معنديش وقت أضيعه في البيوت دي، الناس مستنيانا في القاهرة عشان نخلص إجراءات التقديم والملف يتدبس فيه التوصية.
تحمس سيد بكلام مدحت، وشعر أن وراءه ظهراً قوياً يحميه، فاندفع نحو أحمد وجذبه من ذراعه بقوة وقسوة وهو يزعق
امشي معايا يا واد! مفيش قعاد هنا تاني، أنت اسمك أحمد سيد.. يعني ابني أنا، والورق ده هيمشي غصب عن عين أي حد!
لم يتحمل محمود هذا التطاول، فدفع يد سيد بقوة وعنف حتى تراجع سيد للخلف واصطدم بمراته الجديدة، وصرخ محمود
إيدك لتتكسر قبل ما تلمسه! الولد ده لو قربت منه تاني مش ه تخرج من هنا على رجليك!
بدأت الأصوات
متابعة القراءة