اخويا اتجوز سنه واحده روماني مكرم
المحتويات
تصوت وتلم الجيران، وفاتن تصرخ وتقول خاطفين ابني.. عايزين يحرموني من ضنايا بعد السنين دي كلها!
وفي وسط هذه الفوضى العارمة، تحرك أحمد. لم يكن خائفاً، بل كان يتأمل الوجوه بعينين ثاقبتين، وكأنه يدرس القضية بدقة. وقف بين محمود وسيد، ونظر إلى مدحت بيه مباشرة، وبصوت هادئ ومسموع قال
مدحت بيه.. حضرتك راجل واصل وبتفهم في القانون والتحريات، صح؟
صمت الجميع فجأة لينصتوا إلى الولد. نظر إليه مدحت بفضول وقال طبعاً يا ابني، وعشان كده أنا جاي أخلصك من الوضع ده وأعمل منك ظابط بجد.
ابتسم أحمد ابتسامة صغيرة مليئة بالتحدي وقال
تمام.. يبقى أكيد حضرتك عارف إن من شروط القبول في كلية الشرطة هي التحريات العائلية لحد الدرجة الرابعة. وأكيد عارف إن التحريات دي مبتسألش بس عن الاسم اللي في البطاقة، دي بتنزل المنطقة وتسأل الجيران، والبحث الجنائي بيفحص السلوك والسيرة.
التفت أحمد إلى أبوه سيد وقال
يا ترى يا سيد بيه، لما التحريات تنزل وتسأل عن الأب، ويلاقوا إن عليك قضايا تبديد نفقة قديماً، وإنك متهرب من رعاية ابنك من تمنتاشر سنة، والملف بتاعك فيه شكاوي ومحاضر إهمال.. تفتكر الكلية هتقبلني؟
ثم التفت إلى أمه فاتن وقال وعيناه تلمعان بقسوة طال انتظارها
ولما يسألوا عن الأم، ويلاقوا إنها اتجوزت بعد طلاقها بشهرين ورمت ابنها، ومسألتش عنه، تفتكروا ده في صالح الملف؟
اصفرّ وجه مدحت الشناوي، وبدأ ينظر إلى سيد وفاتن بنظرات شك وغضب. كمل أحمد كلامه وهو يوجه حديثه لمدحت
حضرتك جاي تستغل تفوقي وتعمل لنفسك وجاهة بيا، بس أحب أقولك إن دخولي للكلية بالاسم ده وبالسيرة دي هيكون أكبر نقطة سوداء في ملفي. أنا هدخل الكلية، بس بمجهودي، وباسم الراجل اللي رباني،
تراجع مدحت خطوتين للخلف، ونظر إلى سيد بغل وقال أنت ضحكت عليا يا سيد؟ أنت قايل لي الولد معاك والملف نظيف ومفيش مشاكل! أنا مش هورط اسمي في قضايا ومحاضر وسيرة عائلية تبوظ مكاني!
التفت مدحت ليخرج من الشقة، فجرت وراءه فاتن وهي تبكي يا مدحت بيه استنى بس، الولد ميعرفش حاجة وسيد هيتصرف! لكن مدحت دفعها وخرج وقفل الباب وراه بقوة.
انقلب السحر على الساحر، ووجد سيد نفسه في موقف لا يحسد عليه. نظر إليّ وإلى محمود والحقد يملأ عينيه، وقال وهو يرفع إصبعه بالتهديد
ماشي.. افتكروا إنكم اللي بوظتوا البيعة، والورق بتاعه معايا، ومش هتشوفوا إمضتي على ورقة واحدة للكلية، وهحرق قلوبكم عليه وعلى مستقبله اللي ضاع!
وقبل أن ينطق بأي كلمة أخرى، انفتح باب الشقة مرة ثانية، ولكن هذه المرة دخل منه شخص لم نكن نتوقعه أبداً، ومعه أوراق رسمية مختومة
الجزء الخامس خيوط اللعبة المنفرطة
تسمرت الأبصار كلها نحو الباب. دخل رجل في أواخر الخمسينات من عمره، يرتدي جلباباً صعيدياً فاخراً ينم عن هيبة وأصل، وتظهر على ملامحه الصرامة الشديدة التي ميزت عائلتنا القديمة. لم يكن هذا الشخص غريباً؛ إنه عمي الحاج عبد الحميد، كبير العائلة الذي قاطع سيد منذ سنوات طويلة بسبب سوء سلوكه وطمعه.
كان يحمل في يده حقيبة جلدية قديمة، ونظر إلى سيد بنظرة جعلت الأخير يتراجع خطوتين للخلف وكأنه رأى شبحاً. قال الحاج عبد الحميد بصوت رخيم زلزل أركان الصالة
أنت لسه بتعرف تهدد وتفجر في الخصومة يا سيد؟ السنين مغيرتكش،
التفتت فاتن وهي تحاول أن تجد مخرجاً بعدما انفض من حولها زوجها مدحت الشناوي، وقالت بتلعثم
يا حاج عبد الحميد.. إحنا ملناش طمع، إحنا بس عايزين مصلحة الواد، وأبوه أولى بيه في الأيام المفترجة دي عشان يقدم له في الكلية.
ضرب الحاج عبد الحميد بعصاه الخشبية على الأرض بقوة وقال
اخرسي يا حرمة! مصلحة الواد عرفتوها دلوقتي؟ فين كانت المصلحة دي لما رميتيه هنا ورحتي اتجوزتي في أقل من شهرين؟ وفين كانت المصلحة لما أبوه قفل تليفونه وقاله مش عاوزه ومتكلمنيش في الموضوع ده تاني؟
التفت عمي نحو أحمد، وارتخت ملامحه الصارمة لتتحول إلى نظرة فخر واعتزاز. تقدم نحو أحمد وضمه إلى صدره بقوة وقال
مبروك يا ولد الغالي.. رفعت راسي وراس العيلة كلها بتفوقك. طالع الأول على المحافظة والبلد كلها بتتكلم عنك، وأنا قاعد في الصعيد وراسي في السماء بسببك وبسبب التربية النظيفة اللي ربتهالك عمتك وجوزها الحاج محمود.
نظر سيد إلى عمي وقال بحقد مكتوم
يا حاج عبد الحميد، الأصول أصول، وأنا الأب الشرعي، والورق والملف مش هيمشي من غير إمضتي والقرار إقراري، ومفيش قوة على الأرض هتمشي الإجراءات من غيري، يعني مستقبله في إيدي أنا!
ابتسم الحاج عبد الحميد ابتسامة ساخرة، وفتح الحقيبة الجلدية التي في يده وأخرج منها رزمة من الأوراق الرسمية المختومة بنسر الجمهورية، وقال وهو يلوح بها في وجه سيد
أنت فاكرنا كنا نايمين على ودانا يا سيد؟ من تمنتاشر سنة، لما عمت الواد كلمتني وقالت لي على اللي حصل، وأنا عارف إنك راجل مش مسئول وممكن تبيع ابنك في أي لحظة. فاكر المحضر القديم اللي اتعمل؟ فاكر شهادة الشهود؟
تقدم عمي
دي أوراق رسمية وقرار من المحكمة من سنين طويلة بولاية تعليمية ووصاية كاملة للحاج محمود وعمت الواد، بسبب إهمال الأب الشرعي وامتناعه عن الإنفاق وتعريض حياة طفل للخطر. يعني قانوناً وشرعاً، أنت مالكش أي صفة ولا كلمة على الولد ده من يوم ما اتولد. الحاج محمود هو الولي الشرعي عليه بأمر القانون، وإمضتك مالهاش تلاتين لزمة في ملف الكلية!
سقطت الكلمات كالصاعقة على رأس سيد وفاتن. تراجعت زوجة سيد الجديدة وهي تنظر إليه بغيظ شديد، بعدما أدركت أن الخطة التي رسمتها لركوب موجة نفوذ أحمد وضعت تماماً.
أحمد نظر إلى الأوراق، ثم نظر إلى عمي وقال بنبرة ممتنة
يعني يا عمي.. أنا هقدر أقدم باسم بابا محمود وعمتي من غير ما حد فيهم يلوي ذراعي؟
رد عمي بحسم
طبعاً يا ابني. ملفك جاهز، وتحرياتك العائلية نظيفة زي الفل، لأن العيلة كلها هتقف في ظهرك، وسيد وفاتن متشالين من حساباتنا ومن ورقنا من زمان، والكلية هتعرف إنك ابن راجل محترم ربى وصان، مش راجل رمى وباع.
هنا صرخت فاتن بنبرة حاقدة وهي تتوجه نحو الباب
ماشي يا أحمد.. بكره الأيام تدور وتعرف مين أمك ومين اللي تهمها مصلحتك، والكلية دي مش هتدخلها وافتكر كلامي! وخرجت تجر أذيال الخيبة وراءها.
لحق بها سيد وزوجته الجديدة وهو يبرطم بكلمات غير مفهومة، والغل يأكله من الداخل لأن كل أطماعه في النفوذ والمال والوجاهة تكسرت على صخرة الحق والترتيبات القديمة التي لم يكن يحسب لها حساباً.
أُغلق الباب، وتنفسنا الصعداء جميعاً. ارتمى أحمد في حضني وهو يبكي بحرقة، وضمتنا دموع الفرحة بعد كابوس كاد أن يدمر كل ما بنيناه في سنوات. نظر محمود إلى عمي وشكره من كل قلبه.
لكن،
متابعة القراءة