اخويا اتجوز سنه واحده روماني مكرم
المحتويات
الأوراق للذهاب في اليوم التالي لتقديم الملف في مكتب التنسيق، رن تليفون محمود.. كان المتصل رقماً غريباً، وصوت الطرف الآخر كان يحمل نبرة تهديد من نوع آخر، جعلت وجه محمود يتغير تماماً، ويمسك بجريدة الصباح بيد ترتعش
تحول وجه محمود إلى شاحب كالموت، وارتجفت يده التي يمسك بها الهاتف، بينما كانت عيناه مثبتتين على أحمد وعمي الحاج عبد الحميد. ساد الصمت في الصالة مجدداً، ولم نكن نسمع سوى الأنفاس المتلاحقة.
أغلق محمود الهاتف ببطء، ونظر إليّ بنظرة مكسورة، ثم قال بصوت متحشرج
سيد وفاتن مش ناويين يجيبوها لبر.. بعتوا ناس يهددوا بفضايح، وبيقولوا إنهم بعتوا شكاوى رسمية لمكتب تنسيق كليات الشرطة والجهة المختصة بالتحريات.
وقف عمي الحاج عبد الحميد وضغط بعصاه على الأرض وقال بغضب
شكاوى بإيه يا محمود؟ ورقنا سليم والولا طالع الأول، والقانون معانا!
رد محمود والهم يملأ وجهه
بالمشاحنات العائلية يا حاج.. كاتبين في الشكاوى الكيدية إن الولد عايش في بيئة غير مستقرة، وإن فيه نزاع قضائي وأسري على نسبه ورعايته، وإن أبوه وأمه بيطالبوا بيه وهو رافضهم. أنت عارف كشوف الهيئة والتحريات في الكلية دي بالذات.. مبيرضوش يدخلوا نفسهم في متاهات، وأي شبهة أو شوشرة عائلية، حتى لو كدب، ممكن تخلي الملف يتأرشف والولد يستبعد من البداية عشان يتجنبوا وجع الدماغ!
سقطت الكلمات علينا كالمطر الثلجي. أحمد، الذي كان يملأه الحماس، انطفأت عيناه فجأة وجلس على أقرب مقعد، يضع رأسه بين يديه. كل طموحه، وتعبه طوال السنين الماضية، وسهره ليكون الأول على المحافظة، كان مهدداً بالضياع بسبب حقد شخصين لم يقدما له في حياته سوى الخذلان.
قعدت جنب أحمد، أخذته في حضني وبكيت
حرام عليهم.. عايزين يموتوه وهو حي؟ تمنتاشر سنة
هنا وقف أحمد فجأة. اختفت دموعه وحلت محلها نظرة غريبة، نظرة رجل وضعته الظروف في فوهة المدفع فقرر ألا يموت مستسلماً. نظر إلى محمود وإلى عمي وقال بقوة
محدش هيكسرني.. ولا هما ولا شكاويهم. الكلية دي أنا هدخلها، مش بس عشان حلمي، عشان أثبت ليهم وللدنيا كلها إن ابن الأصول اللي اتربى صح بيكسب في الآخر. يا عمي.. الورق والوصاية القانونية اللي معاك تطلع فوراً، وإحنا مش هنستنى التحريات تجيلنا، إحنا اللي هنروح ليهم.
التفت عمي إليه بفضول قصدك إيه يا ولد؟
أحمد رد بثقة
إحنا هناخد ملف التفوق بتاعي، مع ورق الوصاية وأحكام المحكمة القديمة اللي بتثبت إهمالهم وتخلي الحاج محمود هو ولي أمري، وهنطلب مقابلة سيادة اللواء مدير مكتب القبول والتنسيق شخصياً أو نقدم التماس مسبق. هنحط الحقيقة كاملة على الترابيزة قبل ما هما يلوثوا اسمي بشكاويهم الكدابة. الهجوم هو أفضل وسيلة للدفاع.
لم نضيع دقيقة واحدة. في الصباح الباكر، ارتدى أحمد بدلة أنيقة، وأخذ عمي حقيبته الجلدية، وتحركوا جميعاً برفقة محمود نحو مقر التقديم بالقاهرة، وكأنهم داخلون إلى معركة حياة أو موت.
بقيت في البيت أدعو الله بقلب ينفطر، أصلي وأبكي وأتوسل أن ينصر الله هذا اليتيم الذي قست عليه الدنيا.
مرت الساعات كأنها سنين، حتى حان وقت العصر. انفتح باب الشقة ودخل أحمد ومحمود وعمي.. لكن وجوههم لم تكن تبشر بخير كاملاً. كان هناك وجوم غريب.
ركضت نحو محمود طمنوني؟ إيه اللي حصل؟
تنهد محمود وجلس بتعب، وقال
قدمنا الالتماس يا بنت الناس، وقابلنا المستشار القانوني هناك وعرضنا عليه أوراق الوصاية وإهمال الأب الشرعي، والراجل تفهم جداً وانبهر بمجموع أحمد وتفوقه.. بس.
سكت محمود، فصرخت بخوف بس إيه يا محمود؟ وقعت قلبي!
أكمل عمي الحاج عبد الحميد بلهجة حذرة
المستشار قالنا إن الشكاوى الكيدية وصلت فعلاً، وإن مدحت الشناوي، جوز فاتن، مستغل معارفه وبيحاول يضغط عشان الملف يقف في كشف الهيئة تصفية حسابات.. وقالنا إن القرار النهائي هيكون بناءً على تحريات سرية خاصة هتنزل المنطقة عندنا في السر خلال 48 ساعة عشان تتأكد من سلوك أحمد وسلوك العيلة، ومن كلام الجيران. لو التحريات كتبت تقرير سلبي واحد بسبب كلام سيد وفاتن وشوشرتهم.. الحلم هيتهي تماماً.
وفي تلك اللحظة بالذات، وأنا أستوعب كلام عمي، سمعنا صوت صراخ عالي وخناقة حامية جداً جاية من الشارع تحت البيت.. بصينا من البلكونة، ولقينا سيد ومراته وفاتن واقفين في وسط الشارع، بيلموا الناس ويصرخوا بأعلى صوتهم بكلام يشيب له الولدان عن أحمد وعننا
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
الجزء الثامن زلزال الحقيقة والمواجهة الأخيرة
انقبض قلبي وأنا أنظر من شرفة المنزل؛ كان الشارع قد امتلأ بالجيران الذين خرجوا على صوت الصراخ. تقف فاتن في المنتصف تولول وتدعي أننا سرقنا ابنها وحرمناها من رؤيته، وبجوارها سيد يصرخ بأعلى صوته مستعرضاً قوته ويهدد بفضحنا أمام المنطقة بأكملها، ظناً منهما أن هذا الضغط والتشهير سيكسر كبرياءنا ويجبرنا على التنازل عن أحمد ليعود إليهما ك كارت نفوذ يتقربون به لمدحت الشناوي.
الخطة كانت واضحة؛ يريدون تشويه سمعة البيت قبل وصول التحريات السرية التي أبلغنا عنها المستشار القانوني، حتى إذا سأل أي ضابط تحريات في المنطقة، يجد سيرة مليئة بالمشاكل والفضائح فيستبعد أحمد فوراً.
التفتُّ إلى أحمد، رأيت عينيه تشتعلان ببريق غريب، لم يكن خوفاً، بل كان غضب رجل طفح به الكيل. نظر
لحد هنا وكفاية يا ماما.. السكوت على الأشكال دي بيخليهم يفتكروا إننا ضعاف. هما عايزين الشارع والناس؟ خلّي الناس كلها تسمع.
نزلتُ ونزل خلفي زوجي محمود وعمي الحاج عبد الحميد، وبينهما أحمد الذي كان يسير بخطوات تشبه خطوات القائد في أرض المعركة. بمجرد خروجنا، تعالت أصوات سيد وفاتن، وبدأت فاتن تصرخ أهو.. أهو الواد اللي حرموني منه، تمنتاشر سنة عيشتوني في عذاب واليوم اللي ابني يكبر فيه عايزين تخبوه عني!
في هذه اللحظة، لم يتكلم محمود، ولم يتكلم عمي.. بل تقدم أحمد ووقف في مواجهتها مباشرة. ساد الصمت فجأة بين الجيران الذين كانوا يترقبون الموقف.
نظر أحمد إلى فاتن ببرود وقال بصوت جهوري مسموع لكل أطراف الشارع
أنتِ بتتكلمي عن تمنتاشر سنة عذاب؟ طب تصدقي بالله.. أنا أول مرة في حياتي أعرف إنك عايشة أصلاً من كام يوم! تمنتاشر سنة وأنا مكنتش أعرف غير الست الطاهرة دي اللي واقفة ورايا إنها أمي. أنتِ مش جيتي رميتيني هنا وأنا حتة لحمة حمراء عشان تتجوزي؟
ثم التفت إلى أبيه سيد وقال بأعلى صوته
وأنت يا سيد بيه.. مش لما عمتي كلمتك زمان وقالتلك ابنك على عتبة بيتي، قلتلها رّبيه أنا مش عاوزه ومش فايق؟ ولما اتجوزت ومرأتك الجديدة رفضتني، صرخت في التليفون وقلت مش هينفع آخده ومتكلمنيش في الموضوع ده تاني؟
بدأ التلعثم يظهر على وجه سيد وفاتن، وتراجعوا خطوة للخلف وسط همسات الاستنكار التي بدأت تتعالى من الجيران. كمل أحمد وهو يرفع أوراق الوصاية والحكم القضائي القديم التي أعطاها له عمي
المنطقة هنا كلها عارفة مين محمود ومين عمتي. وعارفين إنك مدفعتش قرش واحد في تربيتي. الأوراق دي أحكام محكمة من سنين طويلة بتثبت إهمالكم ورفع الولاية عنكم. أنتوا جايين دلوقتي تعملوا
متابعة القراءة