لقيت محفظة حكايات زيزي
ابتسم بثقة.
يمكن...
ثم نظر إلى ساعته، وقال بهدوء
بس أنتم اتأخرتوا.
في نفس اللحظة...
انطفأت كل الكشافات مرة واحدة.
وسُمع صوت انفجار مكتوم من الطابق العلوي...
ثم بدأ البيت كله يهتز أول خطوة نزلت على السلم...
ثم التانية...
ثم التالتة...
كل درجة كانت بتقربهم مننا.
أنا مسكت إيد أمي بقوة، وهي ضمتني لصدرها، كأنها بتحاول تحميني من أي حاجة هتحصل.
مدير الأمن همس
أول ما يوصلوا... هنتحرك.
لكن أحمد هز رأسه.
لا... لسه.
كان باصص على الدفتر الأسود، وكأنه فيه حاجة أهم من الناس اللي بتنزل علينا.
فتح آخر صفحة بسرعة.
وكان فيها ظرف صغير ملزوق.
نزعه بحذر.
فتح الظرف...
وقع منه مفتاح إلكتروني صغير، ومعاه ورقة مكتوب فيها
لو وصلت للمرحلة دي... يبقى الخزنة الرئيسية لسه مقفولة.
السكرتير همس
يعني في خزنة تانية؟
أحمد رد
أيوه... ودي واضح إنها أهم من كل اللي لقيناه.
وفجأة...
وصلت الخطوات لآخر السلم.
ظهر ضوء كشاف قوي ضرب في وشوشنا.
وصوت الراجل دوّى في البدروم
خلاص... لقيتكم.
رفع مدير الأمن سلاحه.
لكن قبل ما حد يتحرك...
الراجل ضحك.
وقال
متستعجلوش... أنا مش جاي أقتلكم.
ثم رفع إيده ببطء.
وكان ماسك صورة.
رماها على الأرض قدام أحمد.
أحمد انحنى يشوفها...
وأول ما شافها...
اتجمد مكانه.
كانت صورة قديمة جدًا.
فيها أحمد وهو شاب...
واقف شايل طفل رضيع بين إيديه.
بجانبه نجلاء...
والاتنين بيبتسموا.
أنا بصيت للصورة، ثم لأمي.
قلت باستغراب
مين البيبي ده؟
أمي ما ردتش.
كانت
أما الراجل فابتسم ابتسامة باردة وقال
بعد 12 سنة... جه الوقت تعرفوا الحقيقة.
ثم أشار بإيده ناحيتي...
وقال الجملة اللي قلبت كل اللي كنا فاهمينه
الطفلة اللي أنقذت المحفظة...
مش مجرد شاهدة.
دي السبب الحقيقي اللي كل الناس دي كانت بتحارب عشانه من أول يوم الحيطان اهتزت بعنف.
التراب نزل من السقف.
وأول صرخة طلعت كانت من السكرتير
البيت هيقع!
مدير الأمن شد أحمد من دراعه.
لازم نطلع حالًا!
لكن أحمد كان لسه ماسك الشريحة الإلكترونية بإيده.
لف ناحية نجلاء وقال
خدي صوفي واخرجوا أولًا!
أمي مسكت إيدي وجرت بيا ناحية السلم.
لكن قبل ما نوصل...
سمعنا صوت حديد بيتقفل.
خرااااش...
باب البدروم الحديد اتقفل لوحده.
بقينا محبوسين.
الراجل ابتسم وهو راجع لورا.
قلتلكوا... اتأخرتوا.
لكن ابتسامته اختفت بسرعة.
لأن مدير الأمن اندفع عليه، ووقعه على الأرض.
الاتنين دخلوا في اشتباك عنيف.
وفي نفس الوقت...
أحمد كان بيدور بعينه في البدروم.
وفجأة قال
لا... البيت ده قديم، لازم يكون فيه مخرج طوارئ.
بدأ يخبط على الحيطان.
حيطة...
ورا التانية.
لحد ما سمع صوت مختلف.
طَق... طَق...
ابتسم.
هنا!
الأمن كسر الحيطة بكل قوته.
وبعد كام ضربة...
ظهر ممر ضيق جدًا.
أحمد قال بسرعة
نجلاء... ادخلي إنتِ وصوفي الأول.
دخلنا الممر وإحنا بنزحف.
ورايا سمعت صوت تكسير أقوى.
واضح إن السقف بدأ يقع فعلًا.
وأنا بزحف، لمحت حاجة لامعة على الأرض.
مديت إيدي وخدتها.
كانت سلسلة فضة،
فتحتها بدافع الفضول.
كان جواها صورة قديمة.
لأمي...
وهي شايلة طفل رضيع.
لكن الطفل ده...
ماكنش أنا.
وقبل ما أتكلم...
أمي خطفت الميدالية من إيدي.
وشها اصفر.
وأول مرة من بداية اليوم...
شوفتها مرعوبة بجد.
همست
لا... دي كانت لازم تفضل مستخبية.
بصيت لها باستغراب.
الطفل ده مين يا ماما؟
قبل ما ترد...
سمعنا صوت أحمد من آخر الممر وهو بيصرخ
اطلعوا بسرعة!
ثم دوّى صوت انهيار ضخم...
واهتزت الأرض تحت رجلينا، وانقطع صوت أحمد فجأة النهاية
صرخت بكل قوتي
عمو أحمد!
لكن صوت الانهيار كان أعلى من أي حاجة.
خرجنا أنا وأمي من آخر الممر، والأمن لحق بينا في آخر لحظة، بينما البيت كله انهار خلفنا في سحابة تراب ضخمة.
وقفت أمي تبكي وهي تبص للركام.
وفجأة...
خرجت يد من بين الأتربة.
جري رجال الأمن بسرعة، وبعد دقائق قدروا يطلعوا أحمد السيوفي مصاب بإصابات بسيطة، لكنه كان لسه ماسك الشريحة الإلكترونية بإيده... ورافض يسيبها.
ابتسم أول ما شافني وقال
وعدتك إننا هنخلص الموضوع ده.
بعد أيام...
الشرطة قدرت تسترجع البيانات الموجودة على الشريحة.
واتضح إن عليها آلاف المستندات، وعقود مزورة، وتحويلات مالية، وتسجيلات تثبت شبكة فساد كبيرة كانت بتنهب ملايين الجنيهات من مشروع مدينة الأمل باستخدام شركات وهمية.
وكل شخص شارك في الجريمة اتقبض عليه، بمن فيهم الراجل اللي حاول يمنعنا من الوصول للحقيقة.
أما الشخص اللي الكل كان فاكره مات...
فاتضح إنه كان شاهدًا
أما أمي...
فاتضح إنها كانت بريئة تمامًا.
القضية اللي اتلفقت لها اتقفلت رسميًا، واسمها اترد لها بعد 12 سنة من الظلم.
وورقة الطرد اللي كانت في شنطتي...
أثبتت المحكمة إنها مزورة، والناس اللي حاولوا يستولوا على بيتنا اتحاسبوا، ورجع حقنا كامل.
بعد شهر...
دعاني أحمد السيوفي أنا وأمي إلى مقر الشركة.
لكن المرة دي...
كل الموظفين كانوا واقفين يستقبلونا بالتصفيق.
حتى موظفة الاستقبال اللي كانت هتطردني، جت تعتذر وهي بتبكي.
ابتسمت لها وقلت
أمي علمتني إن التسامح أصعب من الانتقام.
ابتسمت وهي تشكرني.
أحمد سلمني صندوقًا صغيرًا.
فتحته...
لقيت فيه نفس المحفظة الجلدية البنية، لكن كانت فاضية.
استغربت.
قال وهو يبتسم
احتفظي بيها... عشان تفتكري إن أغلى حاجة فيها مكانتش الفلوس.
سألته
كانت إيه؟
رد وهو بيبصلي بفخر
ضمير طفلة عندها 8 سنين... رفضت تبيع أخلاقها مقابل ألف جنيه.
بعد سنوات...
كبرت، واتخرجت في كلية الحقوق.
وأول قضية وقفت أدافع فيها كانت عن أسرة فقيرة اتعرضت للظلم، لأنني عمري ما نسيت اليوم اللي دخلت فيه شركة ضخمة بملابس بسيطة، وكل الناس حكموا عليّ من شكلي.
وفي نهاية المرافعة، رفعت المحفظة القديمة أمام القاضي وقلت
العدل يبدأ لما نختار الصح... حتى لو محدش شايفنا.
ربحت القضية.
ولما خرجت من المحكمة، لقيت أحمد السيوفي وأمي
ابتسموا...
وعرفت وقتها إن أغلى ثروة ممكن يمتلكها الإنسان، مش المال...
لكن السمعة الطيبة، والضمير، والحق اللي مهما اتأخر... لازم يرجع لصاحبه.
تمت.