مراتي الجديدة اماني السيد

لمحة نيوز

اللي بقت فوق كتافي بعد ما بعت ورثي وضيعت تحويشة عمري.
وفي يوم أسود، وأنا في الشغل، جالي التليفون اللي هدم اللي باقي من حياتي..
صوت غريب من المستشفى بيقولي
حضرتك الأستاذ معتز؟ جوز المدام ماسة؟
أيوة.. خير في إيه؟!
المدام عملت حادثة فظيعة بالعربية على الطريق السريع.. العربية اتدمرت بالكامل، وحالة المدام حرجة جداً.
وقعت من طولي، وسافرت للمستشفى وأنا مش شايف قدامي. لما وصلت، الدكتور خرج من غرفة العمليات وشه عليه علامات الأسى، وبصلي وقالي
للأسف يا أستاذ معتز.. الضربة كانت قوية جداً على بطن المدام، والجنين مات في بطنها ونزلناه.. وبصراحة، المدام دلوقتي حالتها غير مستقرة بالمرة، وهي بين الحياة والموت في العناية المركزة، ادعيلها.
وقفت في ممر المستشفى لوحدي، مفيش حد جنبي.. لا أمي اللي كانت بتشحنني، ولا ماسة اللي ضيعت كل حاجة عشانها وهي دلوقتي مش حاسة بيا.. وبقيت أبكي بحرقة وأنا بفتكر جملة مشيرة الأخيرة وهي خارجة من مكتب المحامي
اللي يظلم ولية وييجي على صحتها وعمرها، ربنا مابيباركلوش لا في ضناه ولا في ماله!
دخلت العناية المركزة ووقفت فوق راسها، ملامحها اللي كانت بتنطق بالدلع والبجاحة اختفت، وبقى مكانها خراطيم وأجهزة مغطية وشها وجسمها كله. الحادثة كانت فظيعة، والمستشفى كل شوية تطلب مني مبالغ خيالية.. عمليات، ونقل دم، وأدوية بالشيء
الفلاني، وأنا مكنش معايا المليم.

لقيت نفسي مضطر أفتح درجها، وأخدت كل الدهب اللي لسه مجيبوش ليها من كام شهر عشان تتهنى بيا وتوافق تقعد في البلد.. الدهب اللي بسببه بعت ورثي ونصيبي في بيت العيلة. نزلت بعته بأقل من تمنه في السوق عشان كنت مستعجل وعايز الكاش بأي طريقة عشان أدفع للمستشفى، وقولت في بالي الفلوس تروح وتيجي.. المهم تعيش، المهم مابقاش لوحدي.
بس أمر ربنا كان أسرع من كل فلوس الدنيا..
بعد يومين اتنين بس من بيع الدهب، وأنا قاعد على كراسي الممرات في المستشفى، دبلان ومهدود، لقيت دكتور العناية خارج ووشه في الأرض، حط إيده على كتفي وقال بصوت واطي
البقاء لله يا أستاذ معتز.. شد حيلك، المدام جرى لها هبوط حاد في الدورة الدموية ومقدرناش ننقذها.
أنا مابكيتش.. أنا صرخت صرخة مكتومة طلعت من جوة حشايا، وحسيت
إن الدنيا ضلمت في وشي تماماً. قعدت على الأرض وسط الممر، وبقيت أبص لإيديا الفاضية.. إيديا اللي مفيش فيها أي حاجة دلوقتي.
في ثواني معدودة، شريط حياتي كله عدى قدام عيني.. أنا خسرت كل حاجة في دقيقة واحدة.
خسرت ابني اللي كنت مستنيه يملى عليا الدنيا، وخسرت مراتي ماسة اللي هديت بيتي القديم وبعت ناسي عشانها، وخسرت ورثي وبيت العيلة اللي اتخليت عنه بأرخص تمن عشان أرضي كبريائي وأرضيها.
رجعت البلد لوحدي، شايل كفني وكفن مراتي وابني في إيدي. نزلت
من الميكروباص وبصيت لبيت العيلة من برة.. البيت اللي بقيت غريب فيه بعد ما بعت نصيبي لأخويا، ومبقتش قادر حتى أدخل أبص في وش أمي اللي كانت السبب في كل ده من الأول، ولا قادر أروح أستسمح مشيرة اللي مشيت وسابتني لذنبي.

وقفت في وسط الشارع وضهر مكسور، والدموع بتجري على وشي المهدود، وعرفت إن الوجع والخراب اللي أنا فيه ده كله مكنش غير دعوة مظلومة، طلعت من قلب مشيرة في ليلة قهر، وربنا استجاب لها بالملّي لا مال بقى، ولا ضنى عِاش، ولا عمار كمل.
عدت سنتين على الصدمة والخراب اللي دوقتهم.. سنتين وأنا عايش فيهم زي الميت، بشتغل بس عشان ألاقي لقمة آكلها وأسدد ديون الحادثة والمستشفى والمحامي، وضهري انحنى وعجزت قبل أواني بميت سنة. أمي صحتها اتدهورت وندمت ندم عمرها بعد ما البيت اتهد ومبقاش فيه حد يخدمها ولا يونسها، وأنا مكنتش قادر أبص في وشها ولا أدخل بيت العيلة اللي بقيت فيه غريب.
في يوم، كنت ماشي في السوق بالصدفة، مهدود الحيل ومطأطأ راسي في الأرض من الكسرة. وفجأة، سمعت صوت ضحكة مألوفة جداً.. ضحكة صافية، طالعة من القلب، بقالي سنين مسمعتهاش. رفعت راسي بسرعة، ولقيت عيني جت في عينها مشيرة!
اتسمرت في مكاني والدم هرب من عروقي، مكنتش مصدق اللي شايفاه عيني. مشيرة بقت حاجة تانية خالص! الوش الدبلان المجهد اللي كان معدوم من الخدمة وشقى البيوت اختفى تماماً. ملامحها
ردت فيها الروح، وبقت ناضرة وشابة وكأنها صغرت عشر سنين. كانت لابسة طقم خروج شيك جداً ووقور، ووشها منور بابتسامة ثقة وراحة مكنتش بشوفها وهي معايا.

مكنتش لوحدها.. كانت واقفة قدام محل أدوات منزلية كبير، وجنبها راجل شكله ابن ناس ومحترم، باين عليه الهيبة والحنية في نفس الوقت. كان ماسك في إيده طفل صغير عنده حوالي سنة، ومشيرة عمالة تلاعب الواد وتضحك، والراجل بيبص لها بنظرة كلها حب وتقدير، وبيقدم لها أكياس الحاجه اللي اشتروها بكل روقان واحترام.
عرفت وقتها من الناس إن مشيرة اتجوزت راجل قرييب لأهلها، تاجر محترم شالها على راسه، وعوضها عن كل يوم قهر وشقى شافته معايا. ربنا رزقها منه بالخلف الصالح، ورجعت لها صحتها وعمرها اللي كنت بضيعهم تحت رجلين أمي.
مشيرة وهي بتلف، عينيها جت في عيني بالصدفة. لثواني معدودة، الوقت وقف بينا. بصتلي بكل هدوء.. مكنش في عينيها لا غل، ولا عتاب، ولا حتى شماتة. كانت نظرة باردة جداً، نظرة لشخص غريب تماماً ملوش أي قيمة في حياتها، وكأنها بتقولي أنا نسيت إنك كنت موجود في الدنيا أصلاً.
لفت ضهرها بكل خفة، وحطت إيدها في دراع جوزها، ومشيت معاه وهي بتضحك لابنها، وسابتني واقف في وسط السوق.. لوحدي، مكسور، عريان من كل حاجة.. تندبني حسرتي وأنا شايف بعيني الجنة اللي ضيعتها بغبائي، والحقيقة المُرّة اللي بتقول إن المظلوم لما بيفوض أمره لربنا،
ربنا بيرفع شأنه في الدنيا قبل الآخرة، والظالم بيفضل ياكل في نفسه لحد ما يموت بقهرته.

تم نسخ الرابط