رجعت من شغلي رشا خالد

لمحة نيوز

نحو المنطقة الحفرية المريبة، وبدأ يسلط كشافه الذاتي على الأرضية. لاحظ أن الإسمنت الحديث يغطي حفرة مستطيلة عميقة، وفوقها قطعة قماش حمراء تبرز من بين الإسمنت الشبه جاف، وبجوارها حقيبة جلدية سوداء كبيرة كُتب عليها أحرف باللغة الإنجليزية.
أحمد أدرك الحقيبة فوراً؛ إنها الحقيبة الخاصة بحسابات وشيكات مكتب المحاماة الشهير الذي يعمل فيه باهر، والتي كان باهر يبحث عنها باستماتة منذ شهر ويسميها شنطة الأوراق المهمة.
رفع الضابط رأسه ونظر إلى أمين الشرطة وقال بصوت جاد ومباشر
اتصل بالإسعاف فوراً لنقل المدام.. وطلب قوة دعم من قسم المعادي مع فريق النيابة والمعمل الجنائي. محدش يتحرك من مكانه هنا!
حكمت بدأت تتراجع للخلف خطوة بخطوة نحو بوابة الحديقة الخارجية وهي تحاول التسلل في الظلام، لكن أمين الشرطة الآخر لمحها واستوقفها فوراً بوضع الكلبشات في يديها. صرخت حكمت بصوت هز الشارع
يا ناس يا ظلمة! رايحين تصدقوا واحدة غريبة وتخلوا ابني يقبض على أمه؟ باهر ملوش دعوة! باهر مظلوم!
باهر سقط على ركبتيه فوق الطين، وجسده كله يرتجف، بينما بدأت معالم الفاجعة تتضح لأحمد. سارة لم تكن مجرد ضحية لعنف عائلي أو استبداد حماة؛ بل كانت الشاهدة الوحيدة التي دخلت المخزن بالصدفة يوم الأربعاء، لتفاجأ ب باهر وأمه وهما يحاولان إخفاء شيء ما داخل هذه الحفرة، شيء يتعلق بذاك الجثة أو السر الذي جلبوا الإسمنت خصيصاً للتغطية عليه.
ولأن سارة شهدت ما كان ينبغي ألا تراه، اتخذت حكمت وباهر القرار بحبسها وإغلاق القفل عليها، مستغلين حملها وتعبها، والتخطيط للإبقاء عليها معزولة حتى يتم طمس كل الآثار، أو ربما للتخلص منها تماماً وادعاء أن الحمل والتعب هما السبب في اختفائها.
وصلت سيارة الإسعاف، ونزل الممرضون بالنقالة الإسعافية ليدخلوا
المخزن، بينما كان الضابط يوجه كشافه بدقة نحو الحفرة الإسمنتية التي بدأت تفوح منها رائحة لا يمكن لأحد أن يخطئها.. رائحة الموت.
أمسكت سارة بقميص أحمد بقوة وقالت وهي تُنقل على النقالة
أحمد باهر قتل الشريك بتاعه ورما ه في الحفرة وأمك ساعدته
وقع الخبر على أحمد كالصدمة الكهربائية، والتفت نحو أخيه وأمه بذهول تام، بينما كانت سيارات شرطة إضافية تدق صفاراتها وتدخل الشارع للتحفظ على موقع الجريمة بالكامل.
أنزلت طواقم الإسعاف النقالة ببطء شديد ونقلت سارة عبر الحديقة المبتلة، بينما رافقها أحمد لثوانٍ معدودة يطمئن عليها، قابضاً على يدها بدموع لم يستطع حبسها. قسَم لها أنه لن يترك حقها وحق طفلهما، ثم عاد بخطوات مشدودة كأنها الكابوس إلى حافة المخزن، حيث تصاعدت حركة رجال الشرطة.
وصلت سيارات النيابة العامة وفريق المعمل الجنائي، وتطوقت فيلا المعادي بالكامل بالأشرطة الصفراء. تم إدخال حكمت وباهر إلى سيارة البوليس وسط صراخ الأم التي تحولت نبرتها من الادعاء بالمرض والبركة إلى التهديد والوعيد
هتدمر أخوك عشان حتة بت غريبة يا أحمد؟! ده أخوك سندك! والله ما هسامحك ليوم الدين!
لكن أحمد لم ينطق بكلمة واحدة. كان يقف شاخص البصر ينظر إلى الضباط وهم يحفرون الإسمنت الحديث الذي لم يكن قد جف بعد بالكامل.
خلال ساعتين من العمل المتواصل تحت أضواء كشافات المعمل الجنائي الكاشفة، تم تكسير طبقة الإسمنت ورفع شيكارات التراب. بدأت الملامح الحقيقية للتربة بالظهور؛ لم تكن الجثة المخبأة مجرد هيكل أو غطاء، بل كانت جثة رجل في أواخر الأربعينات، يرتدي بدلة رسمية سوداء ملوثة بالطين، ومكبل اليدين بسلك كهربائي سميكمن نفس النوع الذي يستخدمه أحمد في عمله بالمناطق الصناعية والذي جلب منه عينات إلى المنزل سابقاً.
عندما سحب رجال
المعمل الجنائي الجثة جزئياً لإجراء المعاينة الأولية، سقطت محفظة جلدية من جيب المتوفي الداخلي. فتحها وكيل النيابة بحرص ليقرأ الاسم المدون على الهوية الوطنية
محسن عبد الحميدمحامي بالنقض وشريك في مكتب المحاماة.
أحمد أحس بالدفء يهرب من أطرافه. محسن لم يكن مجرد شريك لباهر في المكتب، بل كان الرجل الذي أنقذ باهر من الإفلاس قبل عامين وشكّل معه شركة استشارات قانونية.
أخذ وكيل النيابة يواجه باهر بالدليل الأول داخل الحديقة قبل نقلهما للقسم
السلك المربوط بيه المجني عليه مظبوط إنه من مخزن البيت هنا، والأهم إن تقرير الفحص المبدئي لبصمات الأصابع على شنطة الأوراق والمولد الكهربائي بيحمل بصماتك يا باهر وبصمات والدتك.
باهر انهار تماماً، وبدأ يبكي بنشيج هيستيري وهو يرتعد من البرد والخوف، وصرخ متلعثماً
والله ما كان قصدي أقتله! هو اللي اكتشف إن اختلست 3 مليون جنيه من حسابات العملاء وكان رايح يبلغ النيابة صباح الأربع! جالي البيت هنا عشان يواجهني بالورق، وأمي قالت لي نكتفه ونخليه يوقع على تنازل.. بس لما قاوم وناداني يا حرامي.. ضربته بفازة النحاس على دماغه!
تطرق باهر في اعترافه المنهمر وسط صدمة أحمد الذهولية
أمي هي اللي اقترحت ندفنه في المخزن ونغطي عليه بالإسمنت والركام لحد ما نسافر بره مصر.. وسارة دخلت بالصدفة نجيب كرتونة خضار من المخزن يوم الأربعاء بالليل وشافت الجثة على الأرض قبل ما نلحق ندفنها! أمي قفلت عليها الباب بالمفتاح وقالت لي لو خرجت هتدمرنا وتودينا الإعدام!
أحمد انقبض قلبه؛ أخوه وأمه لم يحبسا زوجته الحامل مجرد تحكّم أو قسوة عائليّة، بل كانا يتركانها تموت جوعاً وعطشاً وارتعاباً لتكون ضحية أخرى تندفن مع السر في نفس الحفرة.
تلقى أحمد اتصالاً هاتفياً في تلك اللحظة من مستشفى القصر
العيني
أستاذ أحمد؟ مدام سارة دخلت العناية المركزة، وعندها نزيف حاد وهبوط حاد في الدورة الدموية.. الدكتورة محتاجة موافقتك فوراً على إجراء عملية قيصرية طارئة لمحاولة إنقاذ الجنين والسيطرة على النزيف.
ترك أحمد الفيلا المليئة برجال الشرطة وسياره النيابة، وركض نحو الشارع يطارد أول سيارة أجرة ليلحق بزوجته وطفله بين الحياة والموت، بينما كانت حكمت وباهر يُقادان إلى مدرعة الشرطة ليواجها اتهامات بالقتل العمد مع سبق الإصرار والترصد وحبس مواطن بغير حق.
وصل أحمد إلى مستشفى القصر العيني والماء يقطر من ملابسه وجسده يرتجف بالكامل، ليس فقط من برودة ليلة المعادي الماطرة، بل من ثقل الفاجعة التي هبطت على رأسه دفعة واحدة. كانت أروقة المستشفى هادئة ومظلمة إلا من أضواء الفلورسنت الشاهبة، وصوت خطواته المتسارعة يتردد بين الجدران المصمتة.
عند باب غرفة العمليات، كانت الطبيبة المتابعة لحالة سارة تخرج وهي تسحب قفازاتها الطبية الملوثة بالدماء. ركض أحمد نحوها والنفس يتقطع في صدره
دكتورة! سارة سارة عاملة إيه؟ والجنين؟ طمنيني أرجوكِ!
نظرت إليه الطبيبة بتعابير إرهاق شديد وقالت بنبرة حازمة ومباشرة
زوجتك كانت في حالة جفاف حاد وانخفاض خطير في ضغط الدم، والأصعب من كده إنها تعرضت لإجهاد عصبي ونفسي شديد أدى لانفصال جزئي في المشيمة. إحنا اضطررنا ندخلها عمليات فوراً ونوقف النزيف.. قدرنا ننقذ حياتها بفضل ربنا، لكن الوضع بالنسبة للجنين حرج جداً؛ النبض ضعيف وحجمه متأثر جداً بالقلة المائية والجوع اللي مرت بيه خلال الأيام اللي فاتت. نقلناها حالياً للعناية المركزة وتحت الملاحظة المشددة لمدة 48 ساعة.
سقط أحمد على الكرسي البلاستيكي المظلم بجوار الباب، ووضع رأسه بين يديه. كان ينتابه شعور بالذنب يأكل أضلعه؛ كيف تركها
وغادر إلى بورسعيد؟ كيف لم يشعر
تم نسخ الرابط