رجعت من شغلي رشا خالد

لمحة نيوز

بتركيز
ما شفتهوش.. بس سمعتها بتقول له يا خال.. الورق والتأشيرات المضروبة تجهز قبل يوم الجمعة.. وباهر هيحملك نصيبك أول ما نوصل هناك.. أمك كانت بتكلم أخوها الكبير، خالك عبد الحميد!
نزلت الكلمة على أحمد كالصاعقة. الخال عبد الحميد كان يدّعي دائماً التقوى والزهد، وهو المقيم في إحدى قريات الساحل القريبة من الحدود، وكان يملك مكتباً للتخليص الجمركي وتسهيل السفر. أحمد كان يظن أن أمه تصرفت بدوافع الأمومة العشواء مع باهر، لكن اتضح الآن أن هناك شبكة عائلية كاملة كانت تخطط وتساند للتغطية على القتل وتسهيل الهروب، بل وربما كان الخال عبد الحميد هو من أشار عليهم بإبقاء سارة محبوسة حتى تكتمل إجراءات الأوراق المزورة دون إثارة الشبهات!
قام أحمد وقبل رأس سارة
أنازم أبلغ رئيس المباحث فوراً بالمعلومة دي.. المحضر ولا التحقيق مش هيقفلوا إلا لما كل واحد شارك في الكابوس ده يلبس الكلبشات.
خرج أحمد إلى طرقات المستشفى، وأخرج هاتفه ليطلب رقم ضابط المباحث المتابع للقضية، وأخبره بالتفاصيل الجديدة ونبرة صوته تملؤها الحسم. أكد له الضابط أن قوة من مباحث تنفيذ الأحكام والجوازات في طريقها الآن لمداهمة عنوان الخال بالساحل قبل أن يشعر بالخطر ويهرب.
وفيما كان أحمد ينتظر أمام نافذة المستشفى يتأمل الشارع والسيارات، اهتز هاتفه برقم مجهول. فتح الخط ليأتيه صوت رجالي غريب ومبحوح، يتحدث بنبرة تهديد صريحة ومباشرة
بص يا باشمهندس أحمد.. قصتك مع أمك وأخوك كبرت وزادت عن حدها.. لو التحريات وصلت لعبد الحميد أو اسم أي حد تاني اتذكر في النيابة، أو لو ما سحبتش بلاغ سارة وشادتك ضد أمك.. أوعدك إن الخروج من المستشفى مش هيبان سهلا زي الدخول.. وسلامة مراتك وابنك في إيدك!
ساد الصمت لثانية، وانقبضت يد أحمد على الهاتف حتى كادت عظام أصابعه تتكسر، وشعر أن المعركة لم تكن مجرد قضية فيلا في المعادي، بل مواجهة مع أفعى ذات رؤوس متعددة لن تتوقف حتى تلتهم الجميع.
اشتعل الغضب في عروق أحمد، ولكن بدلاً من أن يربكه التهديد، زاده صلابة كالفولاذ. نظر عبر زجاج نافذة المستشفى إلى الشارع المظلم أسفله، وقال بصوت جامد كالرصاص
أنت فاكر إنك بتهددني؟ المكان اللي أنت واقف فيه أو بتبث منه مكالمتك مش هيحميك.. والولد اللي في بطن مراتي والمرمية في العناية بسبكم، هاخد حقه وحقها منكم واحد واحد.. والقضية دي مش هتتقفل غير وأنتوا
كلكم في السجن.
أغلق أحمد الخط فوراً قبل أن يسمع رد الطرف الآخر، وتوجه بسرعة نحو مكتب أمن المستشفى. طالب فوراً بتكثيف الحراسة على غرفة سارة، وطلب من المباحث فرقة تأمين طارئة لحماية زوجته بعد ورود التهديد المباشر. خلال أقل من ساعة، كان هناك اثنان من أمناء الشرطة المسلحين يقفون أمام باب الغرفة، يحرسون سارة التي بدأت تسترد عافيتها تدريجياً وتدرك أن الخطر لم ينتهِ بعد.
في الوقت نفسه، كانت التحركات الأمنية تجري على قدم وساق في الساحل الشمالي. القوة التي حركتها المباحث بناءً على معلومات سارة تحركت في داهمة فجرية خاطفة لمقر مكتب التخليص الجمركي المملوك ل عبد الحميد خال أحمد.
لم يكد عبد الحميد يشعر بحركة السيارات الشرطية حول المبنى حتى حاول الهرب من الباب الخلفي يحمل حقيبة دبلوماسية مليئة بالأوراق، لكن رجال المباحث كانوا قد أطبقوا الحصار على المقر بالكامل. تم إلقاء القبض عليه متلبساً، وبداخل الحقيبة وجد الضباط المفاجأة الكبرى
جوازات سفر مزورة بأسماء جديدة ل باهر وحكمت، وتأشيرات خروج طارئة، بالإضافة إلى عقد تنازل مزور ومبصوم عن فيلا المعادي باسم باهر، كان يُجهز لبيعه فور هروبهم لتغطية مصاريف الإقامة خارج البلاد!
في اليوم التالي، تم نقل الخال عبد الحميد مكبلاً بالحديد إلى سراي نيابة المعادي. وبمواجهته بالتسجيلات الصوتية للمكالمات وتكثيف التحقيق، انهار تماماً وأفشى بكل التفاصيل
أنا مقتلتش حد يا باشا! حكمت أختي هي اللي كلمتني الأربع بالليل وهي بتصرخ، وقالت لي إن باهر اتورط وقتل شريكه في لحظة غضب عشان الفلوس.. هي اللي التفت حوليه وترجتني أساعدهم يهربوا، وقالت لي إن فيه عائق في البيت ولازم يفضل مكتوم لحد ما السفر يجهز.. أنا مكنتش اعرف إن العائق ده هو سارة مرات ابنها الحامل!
اعترف عبد الحميد أيضاً بأنه هو من أرسل الشخص لتهديد أحمد عبر الهاتف للضغط عليه لسحب البلاغ بعد أن شعر بأن الخناق يضيق حول العائلة كلها.
في ظهر اليوم نفسه، جرى مواجهة كبرى داخل قاعة التحقيق بالنيابة، جمعت بين باهر، وحكمت، وعبد الحميد.
ساد الصمت الغرفة، ودخل أحمد يقف بثبات بجوار وكيل النيابة. نظرت حكمت إلى أخيها المقيد وإلى ابنها باهر المنار، ثم رفعت عينيها إلى أحمد بنظرة خالية من الكبرياء، وقالت بنبرة كسيرة وصوت مبحوح
خلاص يا أحمد.. دمرت العيلة كلها؟ ارتحت دلوقت؟
رد أحمد بصوت هادئ
ومستقر، ينبض بالقوة
أنا مدمرتش حد يا أمي.. أنتِ اللي اخترتي تدمري العيلة من اليوم اللي قبلتي فيه الغش والقتل، اليوم اللي قفلتي فيه الباب بقفل حديد على ست حامل في الضلمة والبرد وسبتيها تموت عطش عشان تداري على جريمة. أنتِ وباهر وعبد الحميد عملتوا الكابوس ده بإيديكم، والقانون مش هيسيب حق حد.
وجه وكيل النيابة رسمياً لائحة الاتهامات النهائية للمتهمين الثلاثة
1. باهر القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد للمجني عليه محسن عبد الحميد، والشروع في قتل زوجة أخيه، وإخفاء جثة.
2. حكمت الشروع في القتل العمد، والاحتجاز بغير حق والتعذيب لامرأة حامل، والمشاركة في إخفاء معالم جريمة قتل.
3. عبد الحميد التستر على جناية قتل، والتزوير في أوراق رسمية، والتهديد والابتزاز.
وتم إحالة أوراق القضية بالكامل محبوسين إلى محكمة الجنايات العاجلة مع المطالبة بأقصى العقوبات التي تصل للإعدام شنقاً للفاعل الأصلي والمشاركين.
خرج أحمد من سراي النيابة وشمس العصر تشرق على وجهه. كانت خطوته هادئة ومستقرة، والشر الذي طالما اختبأ خلف أبواب الفيلا المغلقة قد انكشف للعلن وصار في يد العدالة.
اتجه أحمد فوراً إلى المستشفى، حيث استقبله الطبيب ببشرة خير طال انتظارها
أستاذ أحمد، المدام سارة حالتها استقرت تماماً وضغطها طبيعي، وتقدر تخرج من المستشفى النهاردة عشان تكمل علاجها ورعايتها في بيتها وبوسط ناسها.. والجنين بفضل الله بخير ونبضه ممتاز.
دخل أحمد الغرفة، ووجد سارة تجلس على طرف السرير ترتدي ثيابها وتنتظره وهي تبتسم. أمسك بيدها وساعدها على الوقوف، وقالت له وهي تنظر في عينيه بامتنان عميق
الكابوس انتهى يا أحمد؟
أنزل أحمد يده وربط على يدها بحنان
انتهى يا سارة.. والباب اللي اتفتح بالشرطة مش بس أنقذك.. ده قفل صفحة الظلم والقسوة للأبد، وبكرة هنبدأ حياتنا من جديد بعيد عنهم جميعاً.
سارا معاً في أروقة المستشفى ونحو الخارج، يستقبلان نقاء الهواء وشمس النهار الجديد، منتظرين كلمة القضاء الأخيرة ليُسدل الستار تماماً على الجريمة التي هزت العائلة.
مرّت الأشهر التالية كأنها فترة نقاهة وطهارة من أثر ذلك الكابوس الثقيل. فيلا المعادي تم إغلاقها بالشمع الأحمر وبقيت خالية تشهد جدرانها الصامتة على الجريمة، بينما انتقل أحمد وسارة للإقامة في شقة جديدة هادئة أثاثها بسيط، تسطع فيها الشمس
من كل جانب، ممتلئة بالهدوء
والأمان الذي حُرما منه لسنوات.
وفوق منصة القضاء في محكمة جنايات القاهرة، وقف المستشار رئيس المحكمة محاطاً بأعضاء هيئة المحكمة، وتلا الحكم التاريخي في القضية التي شغلت الرأي العام
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع شهادة الشاهد الأول وشريط الكاميرات واعترافات المتهمين؛ حكمت المحكمة حضورياً وبإجماع الآراء
أولاً بمعاقبة المتهم الأول باهر بالإعدام شنقاً عما أُسند إليه من قتله المجني عليه محسن عبد الحميد عمداً مع سبق الإصرار والترصد.
ثانياً بمعاقبة المتهمة الثانية حكمت بالسجن المؤبد لما أُسند إليها من الشروع في قتل المجني عليها سارة واحتجازها بدون حق والاشتراك في إخفاء الجثة.
ثانياً بمعاقبة المتهم الثالث عبد الحميد بالسجن المشدد لمدة 15 عاماً للتدليس والتزوير والتستر على جناية والتهديد.
صدر الحكم وسط صمت ذهولي ساد القاعة. نظرت حكمت لأخيها وابنها المكبليْن بدموع المتأخرين، بينما خرج أحمد وسارة من القاعة بخطوات واثقة، لا يحملان في قلبيهما كيداً ولا انتقاماً، بل ارتياحاً لأن العدالة أخذت مجراها كاملاً.
وبعد أسبوعين فقط من صدر الحكم، داخل أحد مستشفيات الولادة الحديثة، وضعت سارة طفلها الأول.. صبي صغير أطلق عليه أحمد اسم ياسين. عندما حمل أحمد طفله بين يديه لأول مرة، نظر إلى ملامحه البريئة الممتلئة بالحياة، ودمعت عيناه فرحاً. كان ياسين هو الأمل الذي نبت من قلب الظلمة، والبركة الحقيقية التي لم تكن تُصنع بالدجل ولا تُخبأ وراء الأقفال.
الحكمة من القصة
البركة لا تُسجن ولا تُصنع بالظلم البركة ليست تميمة أو عملاً يُحفظ في مخزن مقفول كما ادّعت الأم، بل هي ثمرة التقوى، والنوايا الطيبة، والمعاملة الحسنة. والبيت الذي يُبنى على الظلم والقسوة ينهار ولو كان قصراً.
الباطل لا يستمر مهما كَبُر القفل مهما حاول الجاني تغطية جريمته أو إخفاء آثاره تحت شيكارات الإسمنت والأكاذيب، فإن الحق يجد طريقه للنور دائماً، وغالباً ما تتسبب حيلة الظالم في كشف ستره بالكامل.
الأمومة ليست رخصة للفساد حماية الأبناء لا تكون بالتغطية على جرائمهم أو مشاركتهم الإثم، بل بتربيتهم على مخافة الله والعدل. والأم التي تستر على الجريمة تُهلِك نفسها وابنها معاً.
الوقوف مع الحق ولو كان ضد أقرب الناس أثبت أحمد أن النخوة والشهامة تقتضيان نصرة المظلوم ومخافة الله حتى لو كان الخصم من أقرب الأقربين، لأن
الحق لا يجامل أحداً، والظلم لا يُبرره سِتر العائلة.

تم نسخ الرابط