رجعت من شغلي رشا خالد

لمحة نيوز

بغدر أمه ولؤم أخيه؟ تلك الأم التي طالما أرضعتهما الفضيلة وكانت تنادي بالدين والبركة، تحولت في لحظة طمع وخوف إلى مجرمة تحبس روحاً بريئة في ظلام المخزن لتقتلها بالبطء والعطش، فقط لتغطي على جريمة ابنها المدلل.
مع حلول الفجر، لم يغمض لأحمد جفن. كان يجلس بجوار سرير سارة في العناية المركزة، ممسكاً بيدها الشاحبة المتصلة بأنابيب المحاليل وأجهزة قياس النبض. فتحت سارة عينيها ببطء شديد، ونظرت إليه بعينين غائرتين تملأهما الدموع
أحمد ابننا لسه عايش؟
قبل أحمد يدها والدموع تسيل على خديه
عايش يا سارة.. عايش ببركتك وقوتك.. سامحيني يا سارة، سامحيني إن سبتك في وسط الوحوش دول.. حقك هيجي، والله العظيم حقك وحق ابننا هيجي بالقانون.
همست سارة بجهد وهي تحاول التنفس
أمك أمك كانت بتدخل عليا كل يوم بالليل من الشباك الصغير بتاع المخزن كانت بترمولي كباية مياه ملوثة وتقولي بصوت واطي موتي هنا عشان ترتاحي ونرتاح منك ومن سرك باهر كان عايز يفتح الباب ويطلعني لما شافني بأموت، بس هي كانت بتمنعه وتقوله لو خرجت هتعرف أحمد وهيودينا في داهية.. سيبها لما تخلص.
كانت هذه الكلمات كافية لتفجير آخر ذرة رحمة أو تردد في قلب أحمد.
في صباح اليوم التالي، وتحديداً في الساعة العاشرة صباحاً، سار أحمد بخطوات ثقيلة نحو سراي نيابة المعادي. كانت قاعة الانتظار تعج بالصحفيين والمخبرين بعدما تسرب خبر العثور على جثة المحامي الشهير محسن عبد الحميد مدفونة تحت الإسمنت في حديقة إحدى فيلات المعادي الراقية.
دخل أحمد إلى مكتب وكيل النيابة للإدلاء بأقواله كشاهد أول وكمبلغ. كان باهر يشارك في الجلسة وهو مكبل اليدين بالحديد، وجهه شاحب وشعره متسخ، وبجواره أمه حكمت التي كانت ترتدي عباءة
سوداء وتجلس على كرسي خشب، تنظر لأحمد بعينين ممتلئتين بالتوسل والتودد الناعم بعد أن فشلت لغة التهديد.
قالت حكمت بصوت باكٍ ومتمسكن وهي تحاول الاقتراب من أحمد
أحمد يا بني.. يا حبيبي يا ضنايا.. هتسيب أمك اللي ربتك تدخل السجن في أخر أيا مها؟ أنا عملت كل ده عشان أحمي أخوك الصغير.. باهر طيش وغلط، وأنا أمه كان لازم أستر عليه! سارة كويسة وقامت بالسلامة اهي، تنازل يا بني عشان خاطر لبني اللي شربتهولك.. ارحم أمك!
نظر أحمد إليها بنظرة فارغة خالية تماماً من أي عاطفة، ثم التفت بثبات ناهض نحو وكيل النيابة وقال بصوت واضح هز أركان الغرفة
سيادة النيابة.. أنا هنا مش بس عشان أثبت اتهامي لأخي باهر بقتل المحامي محسن عبد الحميد العمدي وتدنيس جثته.. أنا هنا عشان أقوم بدور الشاهد والمدعي بالحق المدني ضد المتهمة الأولى، حكمت، بتهمة الشروع في قتل زوجتي الحامل سارة، وتكبيل حريتها، والتعذيب البطيء، والمشاركة الكاملة في إخفاء معالم جريمة القتل.
صرخت حكمت بصوت شق صمت القاعة
يا خاين يا ابن الحرام! بتبيع أمك عشان حتة ست؟!
لكن أحمد لم يلتفت إليها، بل أخرج من جيبه مظروفاً أصفر كبيراً وضعه على مكتب وكيل النيابة.
سأله وكيل النيابة باهتمام
إيه المظروف ده يا أستاذ أحمد؟
رد أحمد بصوت حاسم وهو ينظر ل باهر الذي اتسعت حدقتا عينيه رعباً
دي تسجيلات وكاميرات المراقبة الخاصة بالشارع وبوابة الفيلا المجاورة لينا.. أنا أخدت الهارد ديسك الصبح من الجار. التسجيلات بتثبت بالوقت والتاريخ إن أمي وباهر هما الاثنين اللي شالوا جثة المجني عليه ودخلوها المخزن يوم الأربعاء الساعة 11 بالليل.. وبتثبت كمان إن سارة دخلت المطبخ وراء المخزن قبلهم بخمس دقائق وما خرجتش منه من ساعتها.
. يعني أمي كانت عارفة ومخططة لكل حاجة من اللحظة الأولى، ومفيش أي مجال لدعوى الشفقة أو الاستعطاف.
انهارت حكمت وسقطت أرضاً تضرب على وجهها وهي تصرخ وتدعو على ابنها، بينما أخذ باهر يصرخ بحسرة ويهزي بأنه ضحية لأفكار أمه السامة التي قادته إلى حبل الشنق.
أمر وكيل النيابة بتجديد حبس المتهمين حكمت وباهر 15 يوماً على ذمة التحقيق مع مراعاة أقصى العقوبات، ونقلهما فوراً إلى السجن العمومي في انتظار تحويل القضية لمكافحة الجنايات.
خرج أحمد من مبنى النيابة والهواء البارد يلفح وجهه. شعر ولأول مرة منذ أيام بأن الكابوس بدأ ينقشع قليلاً، لكن الطريق لم ينتهِ بعد؛ فسارة ما زالت بين جدران المستشفى تخوض معركتها الأهم، والطفل القادم في رحمها ينتظر قرار الأطباء الأخير.
خرج أحمد من مبنى النيابة، ولم ينتظر ثانية واحدة؛ ركب أول سيارة واتجه رأساً إلى المستشفى. كانت الشمس قد بدأت تتوسط السماء، تكسر برودة الجو بدفء خفيف، لكن قلبه كان ما يزال ينبض برعب مكتوم.
عندما وصل إلى الدور الثالث أمام قسم العناية المركزة، وجد الطبيبة المشرفة تقف مع ممرضتين وتراجع بعض الفحوصات والتحاليل الطبية. أسرع أحمد إليها والأنفاس تتسارع في صدره
دكتورة! طمنيني.. سارة عاملة إيه دلوقت؟ والولد؟
تنفست الطبيبة الصعداء وابتسمت ابتسامة هادئة خففت القليل من ثقل الجبل الجاثم على صدره
الحمد لله يا أستاذ أحمد.. النزيف وقف تماماً، والضغط بدأ يرجع لمعدلاته الطبيعية بعد المحاليل ونقل الدم. والأهم إننا عملنا موجات صوتية سونار جديدة ودقات قلب الجنين رجعت تنتظم بشكل أفضل بكثير عن امبارح. إحنا نقلنا سارة من العناية المركزة لغرفة العزل والملاحظة العادية، وتقدر تدخل تشوفها، بس أهم حاجة الهدوء
التام والبعد عن أي توتر.
أحس أحمد بركبتيه تكادان تعجزان عن حمله من شدة الارتياح، ودعا ربه في سِرّه بحمد لا ينقطع.
فتح باب الغرفة ببطء شديد. كانت سارة مستلقية على السرير الأبيض، وجهها لا يزال يعلوه الشحوب لكن الشفتين استردتا بعض الحمرة، وأنابيب المحاليل ما زالت معلقة بحديث في يدها. عندما رأته يدخل، ابتسمت ابتسامة ضعيفة ومسحت دمعة كانت حائرة في طرف عينها.
اقترب أحمد وجلس على الكرسي المجاور للسرير، وأمسك بيدها بكل رفق وقبلها طويلاً
الحمد لله على سلامتك يا سارة.. الحمد لله إن ربنا ردك ليا ولابننا بالسلامة.
قالت سارة بصوت خافت وخسِر النبرة المرتجفة التي كانت تعلوه في المخزن
أنا كنت حاسة إنك هتوصل يا أحمد.. كنت بسبح وبدعي ربنا في الضلمة والبرد وباقول كيدهم مش هيغلب حقنا.. عملت إيه في النيابة؟
نظرت عينا أحمد للبعيد لثوانٍ قبل أن يعود ويُثبت نظره في عينيها بثبات
سلمت الهارد ديسك بتاع كاميرات الجار للنيابة.. وأمي وباهر خدوا تجديد حبس 15 يوم على ذمة القضية. النيابة وجهت للباهر تهمة القتل العمد مع سبق الإصرار لشركوه، وتهمة الشروع في قتلك والمشاركة في الجريمة لأمي.. مفيش خروج ولا تنازل يا سارة، الجريمة كاملة ومثبتة بالدلايل والأوراق.
صمتت سارة لبرهة، وشردت بذهنها في تفاصيل الأيام الأربعة المرعبة التي قضتها في الكركور بين التراب ورائحة الموت الصامتة، ثم قالت بنبرة حذرة
أحمد.. أمك قبل ما يجيلك المظروف ويتقفل الباب عليا.. كانت بتتكلم في التليفون مع حد تاني غير باهر.. حد كان بيدلهم على طريق السفر لبرة مصر ويوفرلهم خط هروب سيناء ومنها لليبيا أول ما يخلصوا من ردْم الحفرة وتمر ال يوم.
اعتدل أحمد في جلسة اندهاش واضحة
شخص تاني؟! شفتيه؟
أو سمعتي اسمه؟
ردت سارة وهي تحاول التذكر
تم نسخ الرابط