لم أثق بزوجتي يومًا
لم أثق بزوجتي يومًا.
ولهذا كنت أرسل كل مدخراتي إلى والدتي...
لكن في اليوم الذي عدت فيه إلى مدينتي لاسترداد أموالي، دمّرت جملة واحدة حياتي بالكامل.
لطالما اعتبرت نفسي رجلًا حذرًا.
خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالمال.
منذ طفولتي، كنت أسمع التحذير نفسه يتكرر على لسان والدتي بلا انقطاع. في منزلنا بمدينة البصرة، لم يكن المال مجرد أوراق نقدية أو أرقام في حساب مصرفي.
كان الأمان.
وكان الحماية.
وكان الشيء الوحيد الذي كانت والدتي تؤمن بأنه قادر على إنقاذ الرجل عندما ينهار كل شيء من حوله.
وكانت تردد دائمًا عبارة انطبعت في ذهني منذ الصغر
الرجل الذي يسلّم جميع أمواله لزوجته، ينتهي به الأمر عاجلًا أم آجلًا بلا زوجة وبلا مال.
عندما كنت طفلًا، بدا لي كلامها مبالغًا فيه.
لكن مع تقدمي في العمر، بدأ يبدو أكثر منطقية.
خصوصًا أن والدتي كانت تملك دائمًا قصة تبرر كل تحذير تطلقه.
كانت تحدثني عن رجل من معارفها وضع جميع مدخراته بين يدي زوجته، ثم غادرت ذات يوم مع رجل آخر وأخذت معها كل ما يملك.
وكانت تروي قصة أحد أقاربنا الذي سجّل منزله باسم زوجته، وبعد خلاف حاد بينهما وجد نفسه خارج بيته، يبيت عند أحد أصدقائه بعدما فقد حقه في المنزل الذي عاش فيه سنوات طويلة.
ربما كانت بعض تلك القصص حقيقية.
وربما أضافت إلى بعضها شيئًا من المبالغة.
لكن عندما تسمع التحذير نفسه لأكثر من عشرين سنة، يصل بك الأمر إلى مرحلة لا يعود فيها مجرد رأي...
بل يتحول إلى حقيقة مطلقة.
وهكذا نشأت.
مؤمنًا بأن الرجل يجب أن يعرف كيف يحمي ماله بنفسه.
وأن عليه، مهما حدث، ألا يتخلى أبدًا عن السيطرة الكاملة على حياته.
عندما بلغت الثانية والثلاثين من عمري، تزوجت من زينب.
تعارفنا في بغداد، حيث كان كل منا يعمل هناك.
كنت مهندسًا ميكانيكيًا في إحدى الشركات الصناعية، بينما كانت زينب تعمل محاسبة في شركة صغيرة للنقل والخدمات اللوجستية.
كانت زينب امرأة صالحة.
هادئة.
مجتهدة.
ولم تكن مادية على الإطلاق.
لم تكن من النساء اللواتي يلهثن خلف الكماليات أو يتفاخرن بما يملكن
كانت تكتفي بالأشياء البسيطة.
تحب احتساء الشاي في المقاهي الشعبية، والتجول في الأسواق القديمة، والعناية بالنباتات التي تضعها في أوانٍ فخارية، والدفاتر التي تدون فيها كل شيء بخط مرتب ومنظم.
في يوم زفافنا، قال لي كثيرون العبارة نفسها تقريبًا
لقد رزقك الله زوجة صالحة.
أمثالها أصبحوا نادرين هذه الأيام.
إنها عاقلة، وفية، وتجيد تدبير المال.
كنت أبتسم كلما سمعت ذلك.
لكن في داخلي كان هناك صوت قديم وعنيد يردد ما غرسته أمي في ذهني منذ سنوات طويلة.
لا تمنحها كل شيء.
إياك أن تمنحها كل شيء.
في بداية زواجنا، كانت حياتنا هادئة ومستقرة.
عشنا في شقة صغيرة ببغداد.
لم تكن فاخرة، لكنها كانت كافية بالنسبة إلينا.
كان فيها مطبخ ضيق، وغرفة جلوس بسيطة، ونافذة تطل على أضواء المدينة ليلًا، وشرفة صغيرة أصرت زينب على ملئها بالنباتات، رغم أن مساحتها بالكاد تتسع لشخصين.
كنا نعمل بجد.
وكذلك كانت هي.
وفي كل مساء، كانت تخرج دفترًا صغيرًا وتسجل فيه جميع مصروفاتنا.
الإيجار.
الكهرباء.
الماء.
الغاز.
الطعام.
المواصلات.
وأي فواتير أو التزامات تنتظر السداد.
كانت منظمة جدا.
بل أكثر تنظيمًا مما ينبغي أحيانًا، في رأيي.
في إحدى الليالي، بينما كنا نتناول العشاء، قالت لي زينب بهدوء
أعتقد أنه ينبغي لنا أن نفتح حسابًا ادخاريًا مشتركًا.
رفعت رأسي ونظرت إليها.
وقلت
ولماذا؟
أجابت ببساطة
من أجل مستقبلنا.
كانت تنظر إليّ بذلك الهدوء المعتاد الذي يميزها، وكأنها لا تطلب شيئًا غريبًا.
ثم قالت
إذا واصلنا الادخار بانتظام، فربما نستطيع بعد بضع سنوات شراء منزل. ليس منزلًا فخمًا أو كبيرًا، بل منزلًا نملكه نحن.
كانت الفكرة جيدة.
بل جيدة جدًا.
لكن شيئًا ما في داخلي توتر فجأة.
فقلت
يمكننا التفكير في الأمر لاحقًا.
لم تُلح زينب.
فهذه كانت طبيعتها.
لم تكن تضغط على أحد.
لكن بعد بضعة أسابيع، عادت إلى الموضوع مرة أخرى.
وقالت
كم استطعت أن تدخر خلال الفترة الماضية؟
ارتشفت قليلًا من الشاي قبل أن أجيب.
ثم قلت
بعض المال.
فابتسمت وقالت
يمكننا
توقفت للحظة.
ثم أضافت
سيكون من الأسهل أن نخطط إذا كنا نعرف وضعنا المالي الحقيقي.
كان كلامها منطقيًا.
بل منطقيًا إلى درجة أزعجتني.
لأنني كنت أعرف شيئًا لم تكن هي تعرفه.
وهو أن معظم مدخراتي لم تكن موجودة معي أصلًا.
قلت لها
لنؤجل الأمر إلى وقت آخر.
اكتفت بهزة خفيفة من رأسها.
ولم تقل شيئًا آخر تلك الليلة.
لكن منذ ذلك اليوم، بدأ شيء ما يتغير بيننا.
ليس بسبب ما قالته.
بل بسبب ما كنت أخفيه عنها.
فكان هناك أمر واحد لم تكن تعرفه.
في كل شهر، وما إن يُودَع راتبي في حسابي، حتى أقتطع جزءًا كبيرًا منه وأرسله إلى والدتي في البصرة.
في البداية، كانت مبالغ بسيطة.
ثم أصبحت أكبر مع مرور الوقت.
حتى تحول الأمر إلى عادة ثابتة.
طقس لا أتخلف عنه أبدًا.
أستلم الراتب.
أسدد الفواتير.
ثم أرسل المال إلى والدتي.
وفي كل مرة كانت ترد علي برسالة قصيرة تقول فيها
اطمئن يا بني... أموالك في أمان.
وعندها كنت أشعر براحة غريبة.
وأخلد إلى النوم مطمئنًا.
مرت السنوات.
وتزايدت المبالغ شيئًا فشيئًا.
ما بدأ كمدخرات متواضعة، تحول إلى مبلغ كبير لم أكن أتخيل يومًا أنني سأمتلكه.
ومع أكثر من عشر سنوات من العمل المتواصل، اقتربت مدخراتي من ثلاثمائة ألف دولار.
ثلاثمائة ألف دولار كاملة.
مبلغ يكفي لشراء منزل جميل.
أو لافتتاح مشروع خاص.
أو للبدء من جديد إذا انهارت حياتي يومًا وفقدت كل شيء.
ولهذا السبب تحديدًا...
لم أكن أريد أن يعرف أحد بأمر تلك الأموال.
ولا حتى زينب.
لم تكن زينب تعرف حجم الأموال التي أخفيها.
كل ما كانت تعرفه أنني حريص.
لكن مع مرور السنوات، بدأت تشعر بشيء كنت أرفض الاعتراف بوجوده.
المسافة.
الشك.
ذلك الجدار الخفي الذي أخذ يرتفع بيننا يومًا بعد يوم.
وفي إحدى الليالي، وبعد خلاف بسيط بيننا، قالت لي زينب جملة ما زلت أتذكرها حتى اليوم بكل تفاصيلها...
جملة واحدة فقط.
في تلك اللحظة لم أولِ كلماتها أي اهتمام.
لكن بعد بفترة قليلة، عندما
وحين عرفت الحقيقة أخيرًا...
تمنيت لو أنني استمعت إليها قبل فوات الأوان.
وفي إحدى الليالي، وبعد خلاف بسيط بيننا، قالت لي زينب جملة ما زلت أتذكرها حتى اليوم بكل تفاصيلها...
جملة واحدة فقط.
قالت لي زينب تلك الليلة
ليس ما يؤلمني أنك لا تريد فتح حساب مشترك معي يا أحمد... ما يؤلمني أنك تنظر إليّ وكأنني غريبة عنك ولست زوجتك.
وضعت الملعقة جانبًا.
وقلت بضيق
لا تبدئي من جديد.
هزّت رأسها بهدوء وقالت
أنا لا أبدأ شيئًا... أنا فقط بدأت أفهم.
كان صوتها هادئًا.
وذلك ما جعل الأمر أسوأ.
فعندما كانت تغضب أو ترفع صوتها، كنت أجد دائمًا ما أجادل به.
أما عندما تتحدث بهذا الهدوء...
فكانت تتركني مكشوفًا أمام الحقيقة.
قلت
أنا فقط أتخذ احتياطاتي.
نظرت إليّ طويلًا.
ثم قالت
لا، أنت لا تتعامل معي بحذر يا أحمد.
وتابعت بعد لحظة
أنت لا تثق بي. والمشكلة أنني لم أفعل شيئًا يدفعك إلى ذلك.
شعرت بموجة غضب تجتاحني.
لأنها كانت محقة.
ولأنني لم أكن أريد الاعتراف بذلك.
فقلت بحدة
إذًا أصبحت أنا المخطئ لأنني أحافظ على مالي؟
خفضت زينب نظرها إلى الدفتر الذي كان أمامها.
ثم أغلقته ببطء.
وقالت
لا يا أحمد.
ثم رفعت عينيها نحوي وأضافت
المؤلم حقًا أنك ما زلت تقول مالي... حتى عندما نتحدث عن حياتنا.
بقيت كلماتها معلقة بيننا.
ثقيلة.
وصامتة.
ولم نتشاجر بعد ذلك.
لكننا نمنا تلك الليلة وظهورنا متقابلة.
كنت مستيقظًا.
وكانت هي أيضًا مستيقظة.
كنت أعرف ذلك...
من صوت أنفاسها في الظلام.
في اليوم التالي، أرسلت إلى والدتي مبلغًا إضافيًا من المال.
ليس لأنني كنت مضطرًا إلى ذلك.
بل بدافع العناد.
وكأن كل حوالة جديدة كانت وسيلتي لإقناع نفسي بأنني لست ساذجًا.
لم يمر وقت طويل حتى وصلني ردها
أحسنت يا بني. أموالك في أمان هنا. والمرأة لا ينبغي أن تعرف كل شيء.
قرأت الرسالة وأنا في طريقي إلى العمل.
وشعرت براحة مؤقتة.
راحة ظننتها أمانًا.
لكنني أدركت لاحقًا أنها لم تكن سوى خوف اعتدت
ومرت السنوات.
وتوقفت زينب عن فتح ذلك الموضوع نهائيًا.
أما أنا، فاعتبرت ذلك انتصارًا.
وكم كنت مخطئًا.
فالمرأة التي تتوقف عن طلب الثقة لا تكون