لم أثق بزوجتي يومًا

لمحة نيوز

عيناها بالدموع.
لكنها لم تقترب مني.
ولم تمد يدها نحوي.
بل قالت
يا أحمد...
لقد أحببتك بقلب مفتوح.
أما أنت فقد أحببتني خلف باب مغلق.
ثم مسحت دموعها وأكملت
لقد تعبت.
تعبت من محاولة الدخول إلى مكان كان من المفترض أن أكون فيه منذ البداية.
لم يكن هناك صراخ.
ولا إهانات.
ولا مشهد درامي كما كنت أتخيل دائمًا.
فقط صوت إغلاق الحقيبة.
وكان ذلك أقسى من أي شجار.
في تلك الليلة اتصلت بي أمي.
لكنني لم أجب.
وبعد دقائق أرسلت رسالة.
فتحتها وقرأت
زوجتك تملأ رأسك بالأفكار الخاطئة.
لا تخسر عائلتك بسبب المال.
بقيت أحدق في الشاشة طويلًا.
وللمرة الأولى في حياتي...
لم تبدُ كلمات أمي وكأنها نصيحة أو حماية.
بل بدت كالقيد الذي ظل يجرني إلى الأسفل طوال تلك السنوات.
اقتربت زينب من الطاولة.
ثم وضعت أمامي دفترها.
الدفتر نفسه الذي كانت تسجل فيه المصروفات منذ سنوات.
فتحته ببطء.
ولم أجد أرقامًا فقط.
كانت هناك ملاحظات صغيرة كتبتها بين الصفحات.
وجمل قصيرة تحمل تواريخ مختلفة.
أحمد لم يرغب في الحديث عن الادخار اليوم.
قال لاحقًا... مرة أخرى.
دفعت تكلفة إصلاح السخان.
اشتريت دواءً لوالدته.
أردت أن أسأله إن كان يثق بي... لكنني لم أستطع.
شعرت بشيء يضغط على صدري وأنا أقرأ.
وقلبت الصفحات حتى وصلت إلى النهاية.
كانت الصفحات الأخيرة فارغة تمامًا.
رفعت رأسي نحوها.
فقالت
توقفت عن الكتابة فيه منذ ستة أشهر.
سألتها
لماذا؟
أجابت بهدوء
لأنني لم أعد أريد أن أدير حياة أشعر فيها أنني مجرد ضيفة.
جلست على أقرب مقعد.
وشعرت وكأن كل ما بداخلي قد انهار.
ثم قلت
كنت أظن أنني أحمي نفسي.
هزت رأسها ببطء.
وقالت
أعرف.
ثم أضافت
وهذه هي المشكلة.
لقد حولتني إلى شخص تخشاه.
إلى خطر يجب الحذر منه.
رغم أنني لم أفعل شيئًا واحدًا يستدعي ذلك.
خفضت رأسي.
وقلت
أريد أن أتغير.
قالت
أتمنى ذلك.
نظرت إليها برجاء.
وسألت
ألا يمكن أن نحاول من جديد؟
امتلأت عيناها بالدموع.
لكنها لم
تقترب.
ولم تمد يدها نحوي.
بل قالت بصوت مرتجف
يا أحمد...
لقد أحببتك بقلب مفتوح.
أما أنت فقد أحببتني وكأن بيننا بابًا مغلقًا.
ثم سكتت لحظة.
وأضافت
لقد تعبت من محاولة الدخول إلى مكان كان من المفترض أن أكون فيه منذ البداية.
لم يكن هناك صراخ.
ولا اتهامات.
ولا كلمات جارحة.
فقط صوت إغلاق الحقيبة.
وكان ذلك أقسى من أي شجار.
في تلك الليلة اتصلت بي أمي.
لكنني لم أجب.
ثم أرسلت رسالة.
فتحتها وقرأت
زوجتك تملأ رأسك بأفكار لا فائدة منها.
لا تخسر عائلتك بسبب المال.
بقيت أحدق في الشاشة طويلًا.
ولأول مرة في حياتي...
أدركت أن أمي لم تكن تتحدث عن العائلة التي بنيتها مع زينب.
كانت تتحدث عن العائلة التي أرادتني أن أبقى أسيرًا لها إلى الأبد.
ولأول مرة أيضًا...
لم تبدُ كلماتها نصيحة.
بل بدت كقيد ظل يلتف حول حياتي عامًا بعد عام دون أن أشعر.
أرسلت إلى أمي رسالة قصيرة.
كتبت فيها
العائلة لا تسلب مستقبلك ثم تصف غضبك بأنه عقوق.
ثم حظرت رقمها.
ربما لم يكن ذلك إلى الأبد.
لا أعرف.
لكنني في تلك الليلة كنت بحاجة إلى أن أسمع صوت أفكاري أنا.
لا صوتها.
كنت بحاجة إلى مساحة أستطيع فيها التفكير دون أن تغرقني كلماتها القديمة مرة أخرى.
مرت الشهور.
وبدأت رحلة طويلة لاستعادة جزء من حقي.
لم يكن هدفي الانتقام من أمي.
ولا إيذاءها.
كل ما أردته هو أن أعيد الأمور إلى نصابها.
وأن أثبت أن المال الذي جمعته طوال سنوات لم يكن هبة كما حاول البعض تصويره.
انتشرت الأخبار سريعًا في منطقتنا.
وأصبح الجميع يتحدثون.
أحمد يطالب أمه بأمواله.
كيف يفعل ذلك بوالدته؟
زوجته هي من دفعته إلى هذا.
منذ تزوج فتاة من المدينة وهو لم يعد كما كان.
سمعت الكثير من الكلام.
لكنني لم أرد على أحد.
في الماضي كنت سأحاول شرح كل شيء.
وسأركض خلف كل شخص لأبرر موقفي.
أما الآن...
فقد بدأت أتعلم درسًا جديدًا.
ليس كل من يملك رأيًا يستحق تفسيرًا.
وبعد أشهر طويلة من المراجعات والإجراءات.
..
تمكنت من استعادة جزء من أموالي.
وليس كلها.
اضطروا إلى بيع قطعة أرض.
وتعقدت أمور بعض الممتلكات الأخرى لفترة طويلة.
أما سامر...
فانقطعت علاقته بي تمامًا.
ومنذ ذلك اليوم لم يعد يتصل.
ولم يحاول حتى أن يسأل كيف انتهى كل شيء بيننا.
بعد فترة وصلتني رسالة بخط يد أمي.
جلست أقرأها وحدي.
كانت تقول إنني أذللتها أمام الناس.
وأن زينب هي التي غيرتني.
وأنها لم تكن تريد لي سوى الحماية والخير طوال حياتها.
قرأت الرسالة مرة.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
وفي كل مرة كنت أفهم شيئًا جديدًا.
حتى وصلت في النهاية إلى حقيقة لم أكن مستعدًا للاعتراف بها من قبل.
ليس كل الآباء والأمهات يربون أبناءهم ليكونوا أحرارًا.
بعضهم يربي أبناءه ليكونوا ملاذًا لمخاوفه هو.
يحاول أن يحميهم من الجروح التي عاشها.
ومن الأخطاء التي ارتكبها.
ومن المخاوف التي لم يتجاوزها أبدًا.
ثم ينسى مع الوقت أن أبناءه ليسوا امتدادًا له.
وليسوا مسؤولين عن حمل أعبائه القديمة.
وعندما يحاول الابن أخيرًا أن يعيش حياته بنفسه...
وأن يخرج من دائرة تلك المخاوف...
وأن يتخذ قراراته بنفسه...
يُنظر إليه وكأنه خائن.
مع أنه لم يفعل سوى شيء واحد فقط.
أنه قرر أن يعيش حياته هو...
لا حياة شخص آخر.
انتهى زواجي أنا وزينب بعد عام كامل.
ومع ذلك...
لم تطلب مني شيئًا ليس من حقها.
لم تطالب بمال إضافي.
ولم تحاول الانتقام.
ولم تُذكرني مرة واحدة بالأموال التي ضاعت.
وهذا تحديدًا كان أكثر ما آلمني.
لأن الشخص الطماع كان سيستغل سقوطي.
أما زينب...
فكل ما أرادته هو أن ترحل بكرامتها.
آخر مرة رأيتها كانت في مقهى هادئ وسط بغداد.
كانت قد قصّت شعرها قليلًا.
وبدت مختلفة.
أهدأ.
وأبعد.
جلسنا أمام بعضنا لتوقيع الأوراق الأخيرة.
وحين انتهينا رفعت رأسها ونظرت إليّ.
ثم سألت
كيف حالك؟
كان بإمكاني أن أكذب.
لكنني لم أفعل.
قلت
أتعلم الدرس متأخرًا.
هزت رأسها وقالت
أفضل من ألا تتعلمه أبدًا.
ثم أضافت
لكن التأخر
مؤلم أيضًا.
ترددت للحظة.
ثم سألتها
هل تكرهينني؟
أجابت بهدوء
لا.
سألت
وهل هذا أمر جيد؟
ابتسمت ابتسامة حزينة.
وقالت
ليس دائمًا.
ثم ارتشفت من فنجانها وأكملت
الكراهية تجعل الإنسان ينظر إلى الخلف.
أما أنا فأحاول أن أنظر إلى مكان آخر.
لم أعرف ماذا أقول.
همست
زينب...
فقاطعتني بلطف
أرجوك يا أحمد.
لا تطلب مني العودة.
أغلقت فمي.
لأنني أدركت أنها تعرف ما كنت سأقوله.
ابتسمت مرة أخيرة.
ثم قالت
أتمنى لك السلام.
لكنني لن أكون الجائزة التي تحصل عليها بعد أن تتعلم الدرس.
ثم غادرت.
وتركتني أجلس وحدي.
وفي تلك اللحظة فقط فهمت حقيقة لم أفهمها من قبل.
خسارة المال مؤلمة.
لكن خسارة إنسان صالح لأنك استمعت إلى الأصوات الخطأ...
تترك خرابًا أعمق بكثير.
خرابًا صامتًا لا يراه أحد.
اليوم أعيش في شقة أصغر.
وأدير أموالي بنفسي.
وأحرص على أن يكون كل شيء واضحًا ومكتوبًا.
فقد تعلمت أخيرًا أن الثقة لا تعني إغلاق العينين.
كما أن الشك الدائم لا يعني الذكاء.
أحيانًا أعود إلى بلدتي لإنهاء بعض الإجراءات المتعلقة بالممتلكات.
أمر بسيارتي قرب منزل أمي.
أرى الطابق الجديد مكتمل البناء.
وأرى النافذة التي اعتادت الجلوس قربها.
أحيانًا تلمحني.
وألمحها.
لكن لا أحد منا يلوح للآخر.
لا أعرف إن كنا سنتحدث يومًا من جديد أم لا.
لكن إن حدث ذلك...
فلن يكون بيننا مال.
ولا مخاوف قديمة ورثناها دون تفكير.
ولا تلك الفكرة السامة التي جعلتني أرى زوجتي كعدو ينتظر الفرصة المناسبة.
كانت أمي تردد دائمًا
الرجل الذي يسلّم كل ما يملك لزوجته سيخسر ماله وزوجته معًا.
اتبعت تلك النصيحة طوال حياتي.
لكنني انتهيت إلى تحقيقها بطريقة لم تتوقعها هي نفسها.
لم أسلّم مالي لزوجتي.
ومع ذلك خسرت مالي.
وخسرت زوجتي أيضًا.
وفي النهاية...
لم تكن الجملة التي دمرت حياتي تهديدًا.
بل حقيقة خرجت من فم أمي دون أن تشعر.
حين قالت
زينب كانت الشخص الوحيد الذي لم يكن يريد مالك يا أحمد.
ومنذ
ذلك اليوم...
كلما نزل راتبي إلى حسابي، أتوقف للحظة قبل أن أحول أي مبلغ إلى أي شخص.
وأطرح على نفسي سؤالًا واحدًا
هل أنا أحمي مستقبلي فعلًا...
أم أنني ما زلت أطعم خوفًا زرعه شخص آخر داخلي منذ سنوات؟
وصل هذا السؤال متأخرًا جدًا.
لكنه أخيرًا...
أصبح سؤالي أنا.

تم نسخ الرابط