لم أثق بزوجتي يومًا

لمحة نيوز

دائمًا قد اقتنعت بما تفعله.
أحيانًا تكون قد بدأت تودعك بصمت.
واصلنا العيش تحت سقف واحد.
نتناول الطعام معًا.
نتقاسم المصروفات.
نزور الأسواق في عطلة نهاية الأسبوع.
ونحضر المناسبات العائلية وأعياد الميلاد.
بدا كل شيء طبيعيًا من الخارج.
لكن شيئًا ما كان قد انطفأ بيننا.
لم تعد زينب تريني دفتر حساباتها.
ولم تعد تتحدث عن شراء منزل.
ولم تعد تسألني كم ادخرت من المال.
أما أنا...
ففسرت صمتها على أنه راحة.
ولم أدرك أنه كان شيئًا آخر تمامًا.
إلى أن جاء أحد أيام شهر نوفمبر.
كنا قد انتهينا للتو من معاينة شقة معروضة للبيع في بغداد.
كانت شقة قديمة نسبيًا، بأرضيات جميلة، ومطبخ صغير، وشرفة واسعة بما يكفي لتضع فيها زينب جميع نباتاتها التي تحبها.
لم تكن فاخرة.
لكنها كانت مليئة بالضوء.
توقفت زينب أمام المبنى، ثم التفتت نحوي وقالت
أعجبتني.
نظرت إليها ثم قلت
سعرها مرتفع.
فأجابت بهدوء
لن يكون كذلك إذا دفعنا دفعة أولى مناسبة.
في تلك اللحظة شعرت بانقباض حاد في صدري.
ثلاثمائة ألف دولار.
سري الكبير.
مصدر شعوري بالأمان.
والشيء الذي كنت أظنه طوق النجاة إذا انهارت حياتي يومًا.
نظرت إليّ زينب وقالت
هل لديك مدخرات يا أحمد؟
التزمت الصمت.
صمتًا أطول مما ينبغي.
وكان ذلك كافيًا.
فقد فهمت قبل أن أنطق بأي كلمة.
قلت أخيرًا
نعم... لدي مدخرات.
امتلأت عيناها بأمل حذر.
وسألت
كم تبلغ؟
ابتلعت ريقي بصعوبة.
ثم قلت
قرابة ثلاثمائة ألف دولار.
وضعت يدها على فمها من شدة الصدمة.
لم تبتسم.
ولم تفرح.
بل قالت بصوت خافت
ثلاثمائة ألف دولار؟
أومأت برأسي.
وقلت
كنت أدخرها طوال هذه السنوات.
سألتني
وأين هي؟
وهنا...
بدأ كل شيء ينهار.
لأن الكذبة قد تعيش سنوات طويلة.
لكنها قد تموت بسبب سؤال واحد بسيط.
سؤال لا يحتاج أكثر من إجابة صادقة.
فنظرت إليها وقلت
عند امي.
لم ترمش زينب حتى.
حدقت في وجهي وقالت
أرسلت ثلاثمائة ألف دولار إلى والدتك؟
قلت بسرعة
ليس دفعة واحدة.
فقالت بمرارة
رائع... إذًا هذا يجعل الأمر طبيعيًا تمامًا.
لسعتني سخريتها.
فقلت
كانت أموالًا محفوظة في مكان آمن.
سألتني فورًا
آمنة ممن؟
ثم أضافت
مني أنا؟
لم أجب.
فتراجعت خطوة إلى الخلف وقالت
قل لي الحقيقة يا أحمد... منذ متى وأنت ترسل
لها المال؟
أجبت
منذ ما قبل زواجنا.
سألت
واستمررت طوال سنوات زواجنا؟
قلت
نعم.
غطت وجهها بكلتا يديها.
وعندما أنزلتهما لم تكن تبكي.
وذلك كان أكثر ما أخافني.
قالت بصوت منخفض
كنت أسدد الفواتير وأنا أعتقد أننا بالكاد نستطيع تدبير أمورنا.
ثم تابعت
حرمت نفسي من أشياء كثيرة.
كنت أحسب كل دينار.
وبعت سيارتي ذات يوم حتى أسدد دينًا يخص المنزل.
وأنت كنت ترى كل ذلك أمامك... ولم تقل شيئًا.
قلت محاولًا الدفاع عن نفسي
كنت أفعل ذلك من أجل مستقبلنا أيضًا.
هزت رأسها وقالت
لا.
ثم نظرت إليّ مباشرة.
كنت تفعله من أجل خوفك.
أردت أن أجادلها.
أن أشرح لها.
أن أبرر ما فعلته.
لكن الكلمات لم تأتِ.
كل ما خطر في ذهني كان كلام أمي.
وللمرة الأولى بدا ذلك الكلام قبيحًا في أذني.
أخذت زينب نفسًا عميقًا.
ثم قالت
اذهب وأحضر أموالك.
نظرت إليها باستغراب.
ماذا؟
قالت
اذهب إلى البصرة.
أعد المال إلى هنا.
إن كان موجودًا فعلًا.
وإن كان كاملًا كما تقول.
وإن كان حقًا من أجل مستقبلنا.
ثم أضافت
عندها فقط سنتحدث بشأن شراء المنزل.
قلت
وماذا لو لم أذهب هذا الأسبوع؟
نظرت إليّ نظرة لم يكن فيها غضب.
بل إرهاق عميق.
وقالت
عندها لا تتحدث أبدًا عن مستقبلنا مرة أخرى.
في صباح اليوم التالي، أخذت إجازة من عملي.
وانطلقت بسيارتي نحو البصرة.
وكان هناك شعور ثقيل يستقر في صدري طوال الطريق.
وعند كل كيلومتر كنت أفكر في زينب.
في دفترها الصغير.
في نباتاتها التي كانت تعتني بها كل صباح.
وفي كل مرة دفعت ثمن دواء أو إصلاح أو حاجات المنزل من مالها الخاص...
بينما كانت مدخراتي تسافر إلى والدتي عامًا بعد عام، وكأنها جنود مخلصة تخدم خوفي وعدم ثقتي.
لطالما أثارت العودة إلى البصرة شيئًا غريبًا داخلي.
الطرق الطويلة.
الأحياء القديمة.
رائحة البيوت التي تحمل ذكريات الطفولة.
وذلك الشعور الممزوج بين الحنين والرهبة.
وصلت بعد الظهر بقليل.
كانت والدتي لا تزال تعيش في المنزل نفسه.
وفي الشارع نفسه.
لكن المنزل لم يعد كما أتذكره.
واجهة جديدة بالكامل.
بوابة حديدية حديثة.
أرضيات جديدة.
وطابق إضافي ما زال العمل فيه مستمرًا.
وأحواض زهور كبيرة تزين المدخل.
ونوافذ حديثة لم تكن موجودة من قبل.
للحظة واحدة فقط...
شعرت بالفخر.
ثم
أعقب ذلك شعور بارد من القلق.
خرجت أمي لاستقبالي.
كانت ترتدي مئزرًا نظيفًا وقد وضعت شيئًا من الزينة على وجهها.
ابتسمت وقالت
أحمد! لماذا لم تخبرني أنك قادم؟
عانقتها.
كانت رائحتها تحمل ذكريات الطفولة.
لكن شيئًا ما في داخلي لم يشعر بالراحة.
فقلت
أريد أن أتحدث معك يا أمي.
تغيرت ابتسامتها قليلًا.
ثم قالت
ادخل أولًا. لقد أعددت الغداء.
دخلت إلى المنزل.
وكانت الصدمة أكبر.
أثاث جديد.
وشاشة تلفاز ضخمة.
وأجهزة منزلية حديثة.
كل شيء بدا مختلفًا.
كان أخي الأصغر سامر يجلس إلى المائدة مع زوجته وطفليه.
وما إن رآني حتى نهض مبتسمًا.
وقال
انظروا من جاء أخيرًا.
ثم عانقني وربت على ظهري.
ابتسمت له بصعوبة.
بينما كانت عيناي تتجولان في أرجاء المنزل.
كل شيء حولي كان يثير سؤالًا واحدًا.
من أين جاءت كل هذه الأموال؟
كل قطعة أثاث.
كل تجديد.
كل تفصيلة جديدة في المنزل.
بدت وكأنها شُيدت من سنوات تعبي وجهدي.
جلسنا حول المائدة.
كان الجميع يأكل ويتحدث.
أما أنا فكنت أحرك الطعام في طبقي دون أن أتذوقه.
كانت أمي تتحدث عن الجيران.
وعن الأسعار.
وعن أخبار العائلة.
لكنني لم أسمع معظم ما كانت تقوله.
لأن فكرة واحدة كانت تدور في رأسي بلا توقف.
ثلاثمائة ألف دولار.
ثلاثمائة ألف دولار.
ثلاثمائة ألف دولار.
وبعد أن خرج سامر مع أطفاله إلى الحديقة الخلفية...
وضعت هاتفي على الطاولة.
ونظرت إلى أمي مباشرة.
ثم قلت
يا أمي... أريد استعادة أموالي.
ساد الصمت فورًا.
توقفت أمي عن سكب الماء في الكأس.
ثم نظرت إليّ وقالت
أي أموال؟
شعرت بألم حاد في مؤخرة رقبتي.
وقلت
الأموال التي كنت أرسلها إليك طوال هذه السنوات.
وضعت الإبريق على الطاولة ببطء شديد.
ثم قالت
آه... تلك الأموال.
تلك الأموال.
قالتها وكأنها تتحدث عن شيء عادي.
عن قطعة أثاث قديمة أو غرض منسي.
لا عن عشر سنوات من عمري.
فقلت بحدة
نعم يا أمي... تلك الأموال.
جلست قبالتي.
ثم سألت
ولماذا تريدها الآن؟
أجبت
أنا وزينب ننوي شراء منزل.
تغير تعبير وجهها.
لم يكن تغيرًا كبيرًا.
لكنه كان كافيًا.
رأيت ظلًا عابرًا يمر في عينيها.
ثم سألت
هل عرفت زينب بالأمر؟
قلت
نعم.
أطبقت شفتيها على بعضهما.
ثم قالت
كنت قد أخبرتك ألا تخبرها.
تنهدت وقلت
لم آتِ إلى هنا
لنناقش ذلك.
أريد فقط أن تعيدي إليّ أموالي.
نظرت نحو النافذة للحظة.
ثم أعادت نظرها إليّ.
وقالت
لا أستطيع.
تسارعت ضربات قلبي فورًا.
وشعرت وكأن شيئًا ثقيلًا سقط داخل صدري.
فقلت
ماذا تعنين بأنك لا تستطيعين؟
قالت
المال غير متوفر.
حدقت فيها غير مصدق.
ثم سألت
هل استثمرته في شيء ما؟
لم تجب.
فقلت بصوت أعلى
أمي.
نهضت من مكانها.
وقالت
تعال معي.
تبعتها.
وأصبحت خطواتي ثقيلة بشكل غريب.
سارت نحو غرفتها.
ثم دخلت وأغلقت الباب خلفنا.
الباب نفسه.
الباب الذي كنت أقف خلفه وأنا طفل أستمع إلى نصائحها الطويلة عن النساء.
وعن المال.
وعن الخيانة.
وفي تلك اللحظة...
بدأت أخشى أن تكون الخيانة التي حذرتني منها طوال حياتي قادمة من مكان لم أتوقعه أبدًا.
فتحت أمي خزانة الملابس.
ثم أخرجت ملفًا كبيرًا مليئًا بالأوراق ووضعته فوق السرير.
بدأت أقلب محتوياته.
إيصالات.
عقود.
كشوفات حسابات.
سندات ملكية.
أوراق قروض.
فواتير لمواد بناء.
أوراق شراء سيارة جديدة.
مستندات تخص الطابق الإضافي الذي بُني فوق المنزل.
وعقود لأرض وعقار آخر في المنطقة.
كل شيء تقريبًا كان مسجلًا باسم أمي.
وجزء منه باسم أخي سامر.
أما أنا...
فلم يكن اسمي موجودًا في أي ورقة.
شعرت بأن الهواء اختفى من الغرفة.
ونظرت إليها غير مصدّق.
ثم سألت
ما هذا؟
فأجابت بهدوء
أموالك وهي تعمل.
قطبت حاجبي.
وقلت
تعمل لصالح من؟
رفعت ذقنها قليلًا وقالت
لصالح العائلة.
فقلت بحدة
وأنا ألست من العائلة؟
أجابت
بالطبع أنت من العائلة يا أحمد.
صرخت
إذًا لماذا لا يوجد شيء واحد باسمي؟
ردت دون تردد
لأنك تعيش في بغداد.
لديك وظيفة مستقرة.
ولديك زوجة.
ثم أضافت
أما سامر فقد بقي هنا.
شعرت بحرارة الغضب تشتعل في وجهي.
وقلت
يا أمي... كنت أرسل لك المال لتحتفظي به من أجلي.
عبست قليلًا.
ثم قالت
لكننا لم نوقع أي اتفاق.
كانت تلك الجملة أشبه بطعنة.
ليست طعنة قانونية...
بل طعنة أم لابنها.
حدقت فيها وقلت
ماذا؟
قالت
لم نوقع أي ورقة يا أحمد.
أنت كنت ترسل المال لأنك أردت مساعدتنا.
هززت رأسي بعنف.
وقلت
لا.
كنتِ تقولين لي دائمًا إن أموالي في أمان عندك.
فأجابت بلا أي شعور بالذنب
وكانت في أمان.
ثم أضافت
على الأقل لم تصل إليها يد زينب.
وقفت في مكاني أحدق
إليها.
دون أن أقول شيئًا.
وفي تلك اللحظة رأيت الحقيقة كاملة لأول مرة.
ذلك المنطق المشوه الذي عاشت به أمي طوال تلك السنوات.
لم يكن مهمًا أنها أنفقت المال.
ولم يكن مهمًا أن أخي سامر يعيش اليوم من مدخراتي.
ولم يكن مهمًا أن زواجي بدأ ينهار بسبب انعدام الثقة.
كل ذلك لم يكن يعني لها شيئًا.
أما الانتصار الحقيقي في نظرها...
فكان أن زينب لم
تم نسخ الرابط