لم أثق بزوجتي يومًا
المحتويات
تقترب من تلك الأموال.
همست بصوت مرتجف
لقد سرقتِني.
وضعت يدها على صدرها وكأنني وجهت إليها إهانة لا تُغتفر.
وقالت بحدة
إياك أن تكلمني بهذه الطريقة.
نظرت إليها وقلت
لقد أخذتِ مني ثلاثمائة ألف دولار.
ارتفع صوتها فورًا
أنا أمك.
أنا من أنجبتك وربيتك.
فأجبتها دون تردد
وأنا أعطيتك مستقبلي كله.
تصلبت ملامح وجهها.
ثم قالت ببرود
لا تكن جاحدًا.
عندها انفجرت ضاحكًا.
لم تكن ضحكة طبيعية.
كانت ضحكة مكسورة وقبيحة خرجت رغماً عني.
ثم قلت
جاحد؟
وأشرت إلى الأوراق المنتشرة فوق السرير.
أتقصدين أن أكون ممتنًا لهذا؟
قالت
كل ما تره هنا سيصبح لك يومًا ما.
حدقت فيها غير مصدّق.
ثم سألت
متى؟
عندما يقرر سامر أن يمنحني شيئًا منه؟
أم عندما ترحلين عن الدنيا؟
صمتت.
أما أنا فتابعت بصوت يزداد مرارة
أم عندما تتركني زينب نهائيًا بعدما تكتشف أن المرأة التي كنت أثق بها أكثر من زوجتي طوال هذه السنوات...
توقفت للحظة.
ثم قلت
لم تكن زوجتي أصلًا.
بل كنتِ أنتِ.
صفعتني أمي.
لم تكن صفعة قوية.
لكنها كانت كافية.
بقيت واقفًا في مكاني دون أن أتحرك.
لم أعد طفلًا منذ سنوات طويلة.
ومع ذلك...
لثانية واحدة فقط شعرت وكأنني عدت ذلك الصبي الصغير الذي كان يجلس أمام أمه ويستمع إلى قصص النساء الخائنات والطامعات.
الصبي الذي صدق كل كلمة.
دون أن يدرك أن الشخص الذي كان يعلمه الخوف من الجميع...
كان يبني في الوقت نفسه الطريق الذي سيقوده إلى خسارة كل شيء.
ثم قالت أمي الجملة التي حطمت ما تبقى بداخلي
زينب كانت الشخص الوحيد الذي لم يكن يريد مالك يا أحمد.
ساد الصمت.
صمت ثقيل ومخيف.
ورأيت الندم يمر في عينيها فور خروج الكلمات من فمها.
لكن الأوان كان قد فات.
لأن تلك الجملة فتحت بابًا ظل مغلقًا داخلي لسنوات.
فجأة بدأت أرى كل شيء بوضوح.
زينب لم تطلب مني يومًا سيارة فاخرة.
ولم تطلب مجوهرات.
ولم تسألني عن راتبي لتسيطر عليه.
ولم تحاول الوصول إلى أموالي.
كل ما طلبته كان حسابًا مشتركًا.
ومنزلًا نبنيه معًا.
وخطة لمستقبل يجمعنا.
كانت تطلب الثقة فقط.
أما أنا...
فخوفًا من أن تسلبني أموالي يومًا ما...
منحتها كلها للشخص الذي علمني أن أخاف منذ البداية.
خرجت من الغرفة دون أن أنطق بكلمة واحدة.
كنت أحمل
وأشعر وكأن كل ورقة بداخله تضيف وزنًا جديدًا فوق صدري.
لحِق بي سامر إلى الحديقة قبل أن أصل إلى سيارتي.
وقال
لا تتصرف بتهور يا أحمد.
ثم أضاف
البيت لأمي أيضًا.
التفت إليه ونظرت في عينيه مباشرة.
وسألته
هل كنت تعلم؟
تردد للحظة.
ثم قال
أمي أخبرتني أنك موافق.
شعرت بشيء يشتعل داخلي.
وقلت
موافق على ماذا؟
على أن تُسجل ممتلكات اشتُريت من مالي باسمك؟
هز كتفيه بلا اكتراث.
وقال
أنت تعمل في وظيفة جيدة.
ودخلك مرتفع.
في تلك اللحظة...
أردت أن ألكمه.
أردت أن أفرغ فيه كل الغضب الذي تراكم داخلي خلال السنوات الماضية.
لكنني لم أفعل.
ربما لأنني فهمت الحقيقة أخيرًا.
في هذه العائلة...
لم أكن الابن الذي ظننته يومًا.
كنت مجرد مصدر للمال.
مجرد حساب مصرفي يمشي على قدمين.
أمسكت الملف بقوة.
ثم اتجهت نحو الباب.
أسرعت أمي خلفي حتى وصلت إلى المدخل.
وقالت بقلق
إلى أين ستذهب؟
نظرت إليها.
ثم أجبت
سأحاول معرفة ما الذي يمكنني استعادته.
تغير وجهها فورًا.
وقالت بحدة
لن ترفع دعوى على أمك.
توقفت عند الباب.
ولأول مرة في حياتي...
لم أشعر أنني أقف أمام أمي.
بل أمام الشخص الذي أخذ مني أكثر مما أخذ أي غريب يمكن أن أقابله في حياتي.
توقفت لحظة.
ثم نظرت إليها وقلت
لا.
لن أقاضي أمي.
سأقاضي المرأة التي استغلت كونها أمي لتسلبني كل شيء.
أدركت من ملامحها أن كلامي أصابها.
لكنه لم يكن كافيًا.
غادرت المنزل واتجهت إلى وسط المدينة.
كنت بحاجة إلى مكان أستطيع فيه إجراء مكالمة بهدوء.
أخرجت هاتفي.
واتصلت بزينب.
رن الهاتف عدة مرات قبل أن تجيب.
وكان أول ما قالته
هل استعدت المال؟
فتحت فمي لأتكلم.
لكن الكلمات لم تخرج.
ساد الصمت.
ثوانٍ قليلة فقط.
لكنها كانت كافية.
فقد فهمت الحقيقة قبل أن أنطق بها.
قالت بصوت خافت
أحمد...
أغمضت عيني.
ثم قلت
لم يعد موجودًا.
ساد صمت طويل بيننا.
ثم سألت
لا شيء؟
أجبت
أنفقته.
على المنزل.
وعلى سامر.
وعلى أراضٍ وعقارات.
كل شيء مسجل باسمها أو باسمه.
سمعت زينب تزفر ببطء.
ثم قالت
أنا آسفة.
وعندها...
انهرت.
لأنها لم تقل
لقد حذرتك.
ولم تقل
هذا ما تستحقه.
ولم تشمت بي.
كل ما قالته كان
أنا آسفة.
المرأة التي عاملتها لسنوات وكأنها تهديد...
كانت لا
شعرت بغصة تخنقني.
وقلت
سامحيني يا زينب.
ردت بعد لحظة
لا أستطيع أن أفعل ذلك عبر الهاتف.
قلت بسرعة
سأصلح كل شيء.
فأجابت بهدوء
لا تفعل ذلك من أجلي.
ثم أضافت
افعله لأنك أخيرًا فهمت من الشخص الذي علّمك أن تعيش خائفًا طوال هذه السنوات.
أغلقت زينب المكالمة.
وبقيت واقفًا في مكاني.
في ساحة المدينة.
حولي كان الناس يواصلون حياتهم بشكل طبيعي.
أطفال يركضون ويضحكون.
باعة ينادون على بضاعتهم.
أحاديث تتداخل من كل اتجاه.
وسيارات تمر دون أن تكترث بما حدث لي.
كل شيء كان يتحرك.
إلا أنا.
كنت أشعر وكأن الزمن توقف فجأة.
وفي صباح اليوم التالي بدأت أبحث خلف الأوراق التي رأيتها في منزل أمي.
أردت أن أعرف الحقيقة كاملة.
لا كما روتها هي.
بل كما كُتبت رسميًا.
تنقلت بين الدوائر الحكومية ومكاتب السجلات العقارية.
وقد ظننت أنني سأجد إجابة سريعة.
لكن ما وجدته كان أسوأ.
لم تكن مواجهة عاطفية.
بل مواجهة مع الأوراق.
والأختام.
والملفات.
والانتظار الطويل.
نسخ من المستندات.
طلبات رسمية.
رسوم يجب دفعها.
وأسماء تتكرر في كل ملف أفتحه.
اسم أمي.
واسم سامر.
واسم زوجة سامر أحيانًا.
أما اسمي...
فكان غائبًا في كل مرة.
وكل وثيقة جديدة كانت تؤكد الحقيقة نفسها.
الحقيقة التي كنت أقاوم تصديقها.
أموالي لم تعد أموالي.
لقد أصبحت ملكًا لأشخاص آخرين منذ سنوات.
ومن الناحية القانونية...
كانت القضية معقدة إلى درجة مؤلمة.
أما من الناحية الأخلاقية...
فلم يكن هناك أي غموض على الإطلاق.
عندما عدت إلى بغداد، تواصلت مع محامٍ رشحه لي أحد زملائي في العمل.
جلست أمامه ورويت له كل شيء.
قرأ الرسائل التي كانت بيني وبين أمي.
ثم رفع رأسه وقال بصراحة قاسية
هل لديك عقد؟
هززت رأسي.
فسأل
ورقة تثبت أن المال كان وديعة؟
أو اتفاق مكتوب؟
أو أي رسالة تعترف فيها والدتك صراحة بأنها كانت تحتفظ بالمال نيابة عنك؟
أخرجت هاتفي وناولته له.
بدأ يقرأ الرسائل واحدة تلو الأخرى.
أموالك في أمان عندي.
لا تخبر زينب.
مدخراتك محفوظة عندي.
أعاد الهاتف إليّ.
ثم قال
هذه الرسائل قد تساعد.
لكنها لا تضمن شيئًا.
وإثبات حقك في هذه الأموال لن يكون سهلًا.
خصوصًا إذا ادعت والدتك أن المبالغ التي
عندها سيصبح الأمر أكثر تعقيدًا.
ضحكت.
لكنها لم تكن ضحكة حقيقية.
وقلت
أمي قضت عمري كله تحذرني من الثقة بزوجتي.
ثم أضفت بمرارة
لكنها نسيت أن تعلمني أن أطلب منها إيصالًا عندما أعطيها مالي.
لم يبتسم المحامي.
بل قال
هذه مأساة كثير من العائلات.
يخلطون بين الثقة وغياب أي دليل.
خرجت من عنده وأنا أحمل ملفًا أكبر من ذي قبل.
ومعه حملت حقيقة جديدة.
لقد كنت أملك آلاف الحوالات والإيصالات.
لكن لا واحدة منها كانت تقول إن المال ما زال ملكي.
كلها كانت مجرد تحويلات.
أرقام.
وتواريخ.
ومبالغ خرجت من حسابي واختفت.
لا شيء فيها يقول
احتفظي بها لي.
ولا شيء فيها يقول
أعيديها عندما أطلبها.
ولا شيء فيها يقول
هذا هو مستقبلي كله.
بعد أسبوع عدت إلى شقتنا في بغداد.
فتحت الباب.
فوجدت زينب في غرفة الجلوس.
وكانت هناك صناديق موضوعة قرب الحائط.
ليست كثيرة.
لكنها كانت كافية.
تجمدت في مكاني.
ثم سألتها
هل ستغادرين؟
أجابت بهدوء
نعم.
شعرت وكأن الأرض تميد تحت قدمي.
فقلت بسرعة
زينب... أرجوك.
نظرت إليّ طويلًا.
ثم قالت
أنا لا أغادر بسبب المال الذي ضاع.
صمتت لحظة.
ثم أضافت
أنا أغادر لأنك جعلتني طوال سنوات أدفع ثمن ذنب لم أرتكبه يومًا.
خفضت رأسي.
وقلت بصوت خافت
أعرف.
هزت رأسها ببطء.
ثم قالت
لا.
أنت بدأت بالكاد تفهم.
لكنك لا تعرف بعد حجم ما فعلته بنا.
اقتربت زينب من الطاولة.
ثم وضعت أمامي دفترًا أعرفه جيدًا.
دفتر المصروفات.
ذلك الدفتر الذي كانت تحمله معها منذ سنوات.
فتحته ببطء.
وكنت أظن أنني سأجد أرقامًا وحسابات فقط.
لكنني كنت مخطئًا.
كانت هناك ملاحظات صغيرة كتبتها بين الصفحات.
وتواريخ.
وجمل قصيرة.
أحمد لم يرغب في الحديث عن الادخار اليوم.
قال لاحقًا... مرة أخرى.
دفعت تكلفة إصلاح السخان.
اشتريت دواءً لوالدته.
أردت أن أسأله إن كان يثق بي... لكنني لم أستطع.
شعرت بشيء يعتصر صدري وأنا أقلب الصفحات.
ثم وصلت إلى نهاية الدفتر.
كانت الصفحات الأخيرة فارغة تمامًا.
رفعت رأسي إليها.
فقالت
توقفت عن الكتابة فيه منذ ستة أشهر.
سألتها
لماذا؟
أجابت بصوت هادئ
لأنني لم أعد أريد إدارة حياة أشعر فيها أنني مجرد ضيفة.
أغلقت الدفتر ببطء.
ثم جلست
وقلت
كنت أظن أنني أحمي نفسي.
هزت رأسها.
وقالت
أعرف.
ثم أضافت
وهنا تكمن المشكلة.
لقد حولتني إلى خطر.
إلى شخص يجب الحذر منه.
رغم أنني لم أفعل شيئًا واحدًا يدفعك إلى ذلك.
أخفضت نظري إلى الأرض.
وقلت
أريد أن أتغير.
قالت
أتمنى ذلك.
رفعت رأسي نحوها بسرعة.
وسألت
ألا يمكننا أن نحاول من جديد؟
امتلأت
متابعة القراءة