لم يغادر ابن أختي ذي الأعوام الثمانية جوار والدته طوال مجلس العزاء

لمحة نيوز

لم يغادر ابن أختي ذي الأعوام الثمانية جوار والدته طوال مجلس العزاء، وكان يردد مرارًا
لا تغطوا وجهها بعد... لقد طلبت مني أمي أن أنتظر الصوت.
ظن الجميع أن الطفل لم يستوعب بعد صدمة فقدان والدته...
إلى أن اقتربت الساعة من منتصف الليل، وبدأ شيء ما يهتز داخل العباءة التي وُضعت فوق كفن أختي.
اسمي سارة، ولن أنسى ما حييت الطريقة التي كان ينظر بها أمير إلى وجه والدته ريما.
لم يكن يبكي.
ولم يكن يرمش.
كان يحدق فيها كما لو أنه لا يودعها للمرة الأخيرة، بل يحرس وعدًا ائتمنته عليه.
أقيم مجلس العزاء في منزل والدتي بمدينة البصرة، لأن ريما كانت دائمًا تقول إنها لا تريد أن يودعها أهلها في مكان غريب بعيد عن عائلتها. كانت تتمنى أن يجتمع أحباؤها حولها، وأن تتردد آيات القرآن في أرجاء المنزل، وأن تُرفع الأكف بالدعاء لها، وأن تبقى أصوات أهلها من حولها حتى اللحظة الأخيرة.
لكن شيئًا لم يجرِ كما كانت تتمنى.
لا وفاتها.
ولا الصمت الغريب الذي خيم على تلك الليلة.
وبالتأكيد ليس استعجال زوجها عمر لدفنها قبل بزوغ الفجر.
فبحسب روايته، سقطت أختي عن الدرج.
هكذا بكل بساطة.
عثرة واحدة.
سقطة مؤلمة.
ثم انتهى كل شيء.
لكنني كنت أعرف ريما جيدًا.
كانت في الرابعة والثلاثين من عمرها، شديدة الحذر في كل خطوة تخطوها، ولم تكن لتترك ابنها أمير بمفرده أبدًا.
وفوق ذلك كله، كانت قد

أرسلت إليّ رسالة صوتية قبل ثلاثة أيام فقط، وما زلت عاجزة عن نسيان كلماتها
إذا حدث لي شيء غريب يومًا ما، فلا تلتزمي الصمت.
لم تزد على ذلك حرفًا واحدًا.
ولم ألحّ عليها بالسؤال.
أما الآن...
فإنني أندم على ذلك أشد الندم.
منذ اللحظة التي أُدخل فيها الجثمان إلى غرفة الضيوف، سحب أمير كرسيًا صغيرًا وجلس إلى جوار والدته.
كان يحتضن لعبته المفضلة بقوة، ويسند مرفقيه إلى حافة السرير الذي وُضع عليه الجثمان.
حاولت والدتي أن تعطيه كوبًا من الحليب الساخن.
وأرادت خالاته أخذه إلى إحدى الغرف لينال قسطًا من الراحة.
لكن أحدًا لم يستطع إبعاده.
قالت له والدتي متوسلة
يا بني، تعال واجلس معي قليلًا.
هز رأسه رافضًا.
وقال
لا... أمي طلبت مني أن أبقى حتى أسمع الصوت.
تبادلنا جميعًا نظرات قلقة.
أما عمر، الذي كان يقف قرب الباب مرتديًا قميصًا أسود مجعدًا، متقمصًا هيئة الزوج المكلوم، فقد أطلق زفرة ضيق وقال
إنه مشوش... لقد سمع أشياء كثيرة في المستشفى.
التفتُّ إليه وسألته
أي أشياء؟
تردد لحظة ثم قال
الأجهزة الطبية... والأطباء... أشياء من هذا القبيل.
كان كاذبًا سيئًا.
كنت أعرف ذلك منذ سنوات.
فكلما شعر بالتوتر، رفع يده إلى عنقه دون أن ينتبه.
وفي تلك الليلة، لم تتوقف يده عن ملامسة عنقه أكثر من دقائق معدودة.
وكان هناك أمر آخر أقلقني.
كانت ريما ملفوفة بكفنها الأبيض، وقد
وُضعت فوقه عباءة بلون خمري داكن لم أرها عليها من قبل.
وقد أزعجني ذلك أيضًا.
فأختي لم تكن تحب الملابس الضيقة أو المتكلفة.
كانت تفضل الثياب الواسعة المريحة، وتحمل دائمًا حقيبة كبيرة تضع فيها كل ما تحتاج إليه؛ مفاتيحها، وبعض الحلوى، والإيصالات القديمة، وأقلام أمير الملونة.
لكن عمر أصر على أن تلك العباءة كانت المفضلة لديها.
لم أصدقه.
قرابة الساعة الحادية عشرة ليلًا، وبينما كان الرجال يتلون القرآن في المجلس، رأيت أمير يقترب أكثر من والدته.
رفع يده الصغيرة بحذر، وأعاد طرف الغطاء الذي انزاح قليلًا عن جانب وجهها.
ثم انحنى نحوها وهمس بشيء لم يسمعه أحد سواهما.
بعدها رفع رأسه ونظر إليّ.
وقال
خالتي سارة... لا تدعيهم يغطون وجه أمي الآن.
شعرت بانقباض في صدري.
فسألته
ولماذا يا حبيبي؟
بقي وجهه الصغير هادئًا على نحو أثار قلقي.
وقال
لأن أمي قالت إنكم عندما تسمعون الصوت... ستعرفين ماذا يجب أن تفعلي.
كدت أطرح عليه المزيد من الأسئلة.
لكن في تلك اللحظة ارتفع بكاء إحدى قريباتنا، وتعثر أحد الحاضرين في صينية الشاي، وامتلأت الغرفة بأصوات الحركة والهمسات.
استغل عمر الفوضى واقترب من الجثمان.
وقال بلهجة آمرة
يكفي يا أمير... انزل من على الكرسي.
نظر إليه أمير.
لأول مرة منذ بداية العزاء.
وعندها فقط شعرت بالخوف.
ليس على الطفل.
بل من نظرة عمر.
لأن أمير لم يكن
ينظر إلى والده كما ينظر الابن إلى أبيه.
كان ينظر إليه كما لو أنه يعرف حقيقة أكبر من أن يستوعبها طفل في الثامنة من عمره.
ثم حدث الأمر.
صوت اهتزاز جاف.
قصير.
وحاد.
كأنه صادر عن جسم معدني صغير.
لم يأتِ من المطبخ.
ولا من الشارع.
ولا من هاتف أحد الحاضرين.
بل خرج من داخل العباءة الموضوعة فوق كفن ريما.
تجمد الجميع في أماكنهم.
وساد الصمت.
أما أمير فوقف فوق الكرسي، وشد لعبته إلى صدره بقوة، ثم قال بصوت خافت
أرأيتم؟ لقد أخبرتكم.
وقبل أن يتمكن عمر من الوصول إليه...
مد أمير يده بين طيات العباءة.
وبحث لثوانٍ معدودة.
ثم أخرج شيئًا صغيرًا كان مخبأً هناك.
وفي اللحظة التي وقع فيها بصر عمر عليه...
اختفى اللون من وجهه تمامًا.
كان هاتفًا صغيرًا من الطرازات القديمة التي لم يعد أحد يستعملها تقريبًا.
كان ملفوفًا داخل كيس بلاستيكي صغير، ومثبتًا بشريط طبي داخل طيات العباءة الخمرية الموضوعة فوق كفن ريما.
ولم يكن هاتفها المعروف.
أو على الأقل، ليس الهاتف الذي اعتدنا رؤيته معها.
ظل الهاتف يهتز في يد أمير.
وعلى شاشته كلمة واحدة فقط
سارة
شعرت بأن ساقيّ لم تعودا قادرتين على حملي.
اسمي.
كانت أختي قد أخفت هاتفًا احتياطيًا داخل العباءة قبل وفاتها، وشحنته بالكامل، ثم ضبطت منبهًا ليعمل أثناء مجلس عزائها.
تقدم عمر خطوة نحونا.
بسرعة أكبر مما ينبغي.
وقال
أعطيني الهاتف.

لم يعد صوته يشبه صوت رجل فقد زوجته.
كان صوت رجل خائف.
تراجع أمير إلى الخلف، وضم الهاتف إلى صدره.
أما أنا فاندفعت
تم نسخ الرابط