لم يغادر ابن أختي ذي الأعوام الثمانية جوار والدته طوال مجلس العزاء

لمحة نيوز


وأحيانًا يجلس أمام صورة والدته ويخبرها بما حدث معه في المدرسة.
وكانت والدتي تعد له الحليب الساخن كما فعلت في تلك الليلة.
لكنها الآن تنتظر حتى يطلبه بنفسه.
لم يجبره أحد على النسيان.
وفي الوقت نفسه لم نسمح للحزن أن يحبسه داخل تلك الليلة إلى الأبد.
فريما لم تفعل كل ما فعلته ليبقى ابنها أسير تلك الليلة.
بل فعلته لكي يخرج من ذلك المنزل حاملًا الحقيقة لا الأكاذيب.
أما أنا فقد احتفظت بالهاتف القديم.
ووحدة التخزين.
والسوار الذي كانت ريما ترتديه في معصمها.
ليس بدافع التعلق بالمأساة.
ولا رغبة في استعادة الألم.


بل لأنها كانت أدلة على شيء أهم.
على أن أختي، رغم خوفها، ورغم
معرفتها بأن أحدًا قد لا يصدقها في الوقت المناسب...
فكرت.
واستعدت.
وأحبت ابنها حتى آخر نفس.
أما العباءة الخمرية التي كرهتها في البداية...
فقد أصبحت في نظري المكان الذي أخفت فيه ريما رسالتها الأخيرة.
ظن عمر أنه اختار لها ثوبًا يسرّع دفنها.
ولم يكن يعلم أنها أخفت داخله الشيء الوحيد القادر على إيقافه.
اليوم أصبح أمير في الحادية عشرة من عمره.
وأحيانًا ما زال يسأل عن والدته بنضج يؤلمني سماعه.
يسألني إن كانت ريما تعلم أنها ستموت.
فأجيبه بأصدق حقيقة
أملكها
إن والدته كانت تعلم أن شيئًا سيئًا قد يحدث.
ولهذا فعلت كل ما بوسعها حتى لا يُترك وحيدًا مع الكذبة.
يعانق لعبته المحشوة، التي أُصلحت خياطتها منذ زمن، ثم يومئ برأسه.
ولا يبكي دائمًا.
أحيانًا يكتفي بالنظر إلى النافذة.
بالطريقة نفسها التي كان ينظر بها إلى وجه والدته في تلك الليلة.
كأنه ما زال يحرس الوعد الذي ائتمنته عليه.
أما أنا، فلم أعد أسمع اهتزاز أي هاتف بالطريقة نفسها أبدًا.
فكلما اهتز هاتف فوق طاولة أو في غرفة هادئة، أشعر بانقباض في صدري.
لكنني أتذكر أيضًا أن ذلك الصوت الصغير...
الجاف...
المعدني.
..
كان الصوت الذي نطقت به أختي بعدما عجزت عن الكلام.
كان رسالتها الأخيرة.
وصوت الحقيقة الذي تركته خلفها.
لقد ظن الجميع أن أمير كان تائهًا من شدة الصدمة عندما أصر على عدم تغطية وجه والدته.
لكنهم كانوا مخطئين.
لم يكن تائهًا.
ولم يكن يعيش أوهامًا.
كان ينفذ آخر وصية أوصته بها والدته.
وكان ينتظر اللحظة التي طلبت منه انتظارها.
وبفضل ذلك الطفل ذي الأعوام الثمانية...
الذي امتلك شجاعة فاقت شجاعة جميع البالغين في تلك الغرفة...
لم تُدفن ريما باعتبارها ضحية حادث عرضي.
ولم تُطمر الحقيقة معها تحت التراب.
بل وُدعت
إلى مثواها الأخير وقد انكشفت الحقيقة كاملة.

تم نسخ الرابط