لم يغادر ابن أختي ذي الأعوام الثمانية جوار والدته طوال مجلس العزاء

لمحة نيوز

أقف بينهما دون تفكير.
وقلت بحزم
لا تقترب منه.
امتلأت الغرفة بالهمسات.
وأخذت والدتي تردد الأدعية بصوت مرتفع وهي ترتجف.
أما عمر فحاول استعادة رباطة جأشه.
وقال
قد يكون هذا أي شيء... كانت ريما متوترة في الفترة الأخيرة، وكانت تتخيل أمورًا كثيرة.
وعندها فهمت.
كان يملك رواية جاهزة مسبقًا.
لم تكن ريما قد سقطت عن الدرج فحسب.
بل أراد أيضًا أن يقنع الجميع بأنها كانت مضطربة ومشوشة.
الطريقة الأقدم لإسكات امرأة...
أن تُصوَّر على أنها غير مستقرة قبل أن يسمع أحد كلامها.
أخذت الهاتف بحذر.
كانت بطاريته على وشك النفاد بعد أن ظل يعمل لأيام.
لكنه لم يكن مقفلًا.
وما إن فتحت الشاشة حتى ظهر ملف صوتي مسجل قبل ثلاثة أيام.
في الليلة نفسها التي أرسلت فيها ريما رسالتها القصيرة إليّ.
ضغطت زر التشغيل.
وكان قلبي يخفق بقوة حتى كدت أسمعه.
ثم انطلق صوت أختي.
هادئًا.
متعبًا.
ومتقطع الأنفاس.
قالت
سارة... إذا كنتِ تسمعين هذا التسجيل، فذلك يعني أنني لم أتمكن من النجاة.
ساد الصمت في الغرفة.
ولم يجرؤ أحد على الحركة.
تابعت ريما
لقد اكتشف عمر أنني غيرت أوراق التعويض والميراث. لم يعد المستفيد الأول منها هو. أصبحت باسم أمير.
شهقت والدتي ووضعت يدها على فمها.
أما عمر فصاح بغضب
أغلقي هذا التسجيل فورًا.
لكن أحدًا لم يستجب له.
واستمر صوت ريما
كما اكتشفت تحويلات مالية من حساب والدتنا إلى حسابه. لم تكن ديونًا كما ادعى... لقد
أخذ المال دون علمها.
أطلقت والدتي أنينًا مكتومًا.
أما عمر فبدأ يصرخ بأن تشغيل التسجيل في مجلس العزاء أمر غير لائق.
لكن لم يتحرك أحد.
واستمر التسجيل.
ثم قالت ريما بصوت أكثر ضعفًا
إذا قال إنني سقطت عن الدرج... فلا تصدقيه.
توقفت أنفاسي.
وأحسست بأن عمر قد تجمد في مكانه.
وأضافت
هناك ما يثبت الحقيقة كاملة... وقد أخفيت نسخة منه في مكان لن يفكر بالبحث فيه أبدًا.
ثم ساد صمت قصير.
قبل أن تنطق بالجملة التي جعلت جميع الحاضرين يلتفتون في اللحظة نفسها نحو اللعبة المحشوة التي كان أمير يحتضنها بين ذراعيه.
وقالت
الدليل موجود داخل لعبة أمير.
التفتنا جميعًا نحو اللعبة المحشوة.
أما أمير فضمها إلى صدره بقوة أكبر.
كانت عيناه واسعتين.
جافتين تمامًا من الدموع.
اندفع عمر نحوه فجأة.
لكن ابن خالي جاسم أمسكه من صدره قبل أن يصل إليه.
ارتطم جسده بالحائط.
وسقطت إحدى الكراسي.
وارتفع صوت إحدى قريباتنا وهي تصرخ مطالبة بالاتصال بالشرطة.
أمسكت بيد أمير سريعًا.
وأخذته إلى غرفة والدتي.
ثم أغلقت الباب من الداخل بينما استمرت المشادات والصراخ في الخارج.
المثير للقلق أن أمير لم يكن يبكي.
بل إن هدوءه أخافني أكثر مما لو انهار باكيًا.
جلس أمير على السرير.
ثم فتح بخفة فتحة صغيرة في لعبته المحشوة.
وأخرج منها وحدة تخزين صغيرة ملفوفة بقطعة قطن.
وقال
أمي قالت إنه إذا نامت ولم تستيقظ، أعطيكِ هذا عندما تسمعين الصوت.
ثم ناولني
إياها.
كما لو كانت قطعة مشتعلة لا يريد الاحتفاظ بها.
وأضاف
وقالت أيضًا ألا أصدق أبي إذا قال إنها تعثرت.
عندما وصلت دورية الشرطة، كان عمر قد استعاد جزءًا من تماسكه.
وعاد إلى تمثيل دور الزوج المفجوع.
كان يردد أننا فقدنا صوابنا من شدة الحزن.
وأن الطفل مصدوم نفسيًا.
وأنني أحاول تحويل مجلس العزاء إلى فضيحة.
لكن الهاتف كان في يدي.
ووحدة التخزين في جيبي.
ونصف أفراد العائلة سمعوا التسجيل الصوتي بأذانهم.
أصدر أحد الضباط أمرًا بعدم نقل الجثمان للدفن أو إتمام أي إجراءات دفن حتى وصول الجهات المختصة.
فشحب وجه عمر مرة أخرى.
وقال بعصبية
لا يمكنكم فعل ذلك... لقد تم ترتيب إجراءات الدفن بالفعل.
نظر إليه الضابط ببرود وقال
ولهذا السبب تحديدًا لن نتعجل شيئًا.
انهارت والدتي على أحد المقاعد.
أردت أن أحتضنها.
لكن أمير كان متشبثًا بي بقوة.
وعندها فقط أدركت حقيقة مؤلمة.
ريما لم تترك لي أدلة فحسب.
بل تركت لي أيضًا أغلى ما كانت تملك.
ابنها.
وفي تلك اللحظة أصبحت مسؤوليتي الأولى.
في مركز الشرطة، قام المحققون بتشغيل محتويات وحدة التخزين.
لم يكن المقطع طويلًا.
لكنه كان كافيًا لتغيير كل شيء.
ظهر ممر منزل ريما وعمر في التسجيل.
وكانت ريما تنزل الدرج وهي تحمل ملفًا بيدها.
وبعد لحظات ظهر عمر خلفها.
لم يكن الصوت واضحًا بالكامل.
لكن الجميع سمع جملة واحدة بوضوح
لن تتركيني بلا شيء.
حاولت ريما الابتعاد عنه.
فأمسك بذراعها.

واستمرت المشادة بينهما لثوانٍ معدودة.
ثم حدث ما لم أكن مستعدة لرؤيته.
لم يكن سقوطًا عرضيًا.
ولم يكن تعثرًا.
بل دفعة قوية.
وغضبًا أعمى.
ثم صمتًا مخيفًا.
هوت ريما على الدرج.
بينما نزل عمر مسرعًا نحوها.
وقف فوق جسدها للحظات.
ثم رفع رأسه ونظر مباشرة نحو الكاميرا.
وعند تلك اللحظة انتهى التسجيل.
ساد الصمت داخل الغرفة.
أما الضابط فأغلق الملف ببطء.
ثم قال بلهجة حاسمة
لا يُنقل الجثمان أو يُدفن حتى انتهاء إجراءات الطب الشرعي.
قبل طلوع الفجر، كان عمر قد أصبح رهن الاحتجاز.
أما جثمان ريما، فقد نُقل لإجراء فحوصات وتحقيقات أكثر تفصيلًا.
وأخيرًا غلب النوم أمير.
نام على حجري.
وكانت لعبته المحشوة الفارغة ما تزال بين ذراعيه.
أما أنا فلم أستطع إغلاق عيني.
ظللت أفكر في العباءة الخمرية.
وفي الهاتف المخفي.
وفي ذلك الصوت الذي انتظره أمير بصبر غريب، كما لو كان ينتظر رسالة أخيرة من والدته.
وحين ظننت أن الأمور لا يمكن أن تصبح أسوأ مما هي عليه، عاد المحقق الذي أخذ أقوالي يحمل ورقة أخرى.
وقال
السيدة سارة، عثرنا على طلب حضانة مؤقتة قدمه عمر قبل يومين.
رفعت رأسي بصدمة.
فأكمل
ادعى في الطلب أن ريما كانت تعاني اضطرابات نفسية، وأنكِ تمثلين تأثيرًا سيئًا على الطفل.
تجمدت في مكاني.
لم يكن عمر يريد دفن أختي بسرعة فحسب.
بل كان يريد أيضًا الحصول على حضانة أمير قبل أن يتمكن الطفل من التحدث.
في صباح اليوم التالي لم
تكن هناك جنازة.
بل كانت هناك تحقيقات.
وخبراء أدلة جنائية.
واتصالات لا تنتهي.
وأوراق تحتاج إلى توقيع.
ومنزل امتلأ بكراسٍ فارغة ما زالت تفوح
تم نسخ الرابط