لم يغادر ابن أختي ذي الأعوام الثمانية جوار والدته طوال مجلس العزاء
المحتويات
منها رائحة القهوة والبخور والزهور.
رفضت والدتي إزالة ركن العزاء.
وقالت بصوت منكسر
إذا أطفأنا الشموع وأزلنا المكان... سأشعر أن ريما تُركت وحدها.
ولم أملك الشجاعة لأجادلها.
أغلقت باب الغرفة التي كان أمير نائمًا فيها.
ثم بدأت أجمع ما تركته أختي خلفها.
أشياء متناثرة كأنها علامات على طريق أرادت منا أن نتبعه.
الهاتف المخفي.
وحدة التخزين الموجودة داخل اللعبة.
ملف التأمين.
كشوف الحسابات البنكية الخاصة بوالدتي.
وصور مطبوعة لرسائل كان عمر يطالب فيها ريما بالمال.
كل ورقة كانت تكشف جزءًا جديدًا من الحقيقة.
أختي لم تكن متوترة.
ولم تكن مضطربة.
كانت محاصرة.
وبعد أيام قليلة، أكد تقرير الطب الشرعي وجود إصابات سابقة على جسدها.
بعضها قديم.
وبعضها حديث.
كما عُثر على آثار إصابات في ذراعها تتوافق مع ما ظهر في مقطع الفيديو.
حاول عمر، من خلال محاميه، أن يدعي أن ريما هي من بدأت الشجار.
وأنه كان يحاول إيقافها فقط.
وأن سقوطها لم يكن سوى حادث مؤسف.
ثم حاول استخدام التسجيلات ضدها.
مدعيًا أن امرأة تخفي أدلة وتخطط لكشفها بعد وفاتها لا يمكن أن تكون سليمة التفكير.
لكن تلك الرواية بدأت تنهار سريعًا.
فقد تمكن المحققون من استعادة رسائل محذوفة من هاتفه.
وفي إحدى الرسائل كتب لصديق له
إذا
وفي رسالة أخرى كتب
العجوز بدأت تتدخل فيما لا يعنيها.
وكان يقصد والدتي.
لأن ريما كانت قد اكتشفت أنه استولى على أموالها عبر مستندات وإيصالات مزورة تحمل توقيعات مزيفة باسمها.
أدلى أمير بشهادته بحضور أخصائية نفسية.
لم يتركوه وحيدًا أمام المحققين أو الغرباء.
وسمحوا لي بالبقاء إلى جواره دون أن أتدخل.
روى أنه سمع شجارًا في تلك الليلة.
وأن والدته طلبت منه أن يختبئ داخل الحمام وأن يحتضن لعبته بقوة.
ثم قال إنها دخلت إليه بعد ذلك بدقائق.
كانت ترتجف.
وكانت تخيط شيئًا بسرعة داخل اللعبة المحشوة.
ثم نظرت إليه وقالت
إذا حدث لي شيء، فانتظر الصوت. خالتك سارة ستفهم.
لم يرَ أمير ما حدث على الدرج.
لكنه سمع صوت الارتطام.
وسمع أيضًا كلمة قالها والده بعد ذلك.
كلمة لا ينبغي لطفل أن يحملها في ذاكرته.
قال عمر
أخيرًا.
وعندما كرر أمير هذه الكلمة أمام المحققين، توقفت الأخصائية النفسية عن الكتابة لثوانٍ.
أما أنا فاضطررت إلى عض شفتي حتى لا أنهار.
تم تعليق طلب الحضانة الذي قدمه عمر فورًا.
وتقدمت بطلب حضانة مؤقتة لأمير.
وكانت والدتي، رغم حزنها وانكسارها، تدعمني في كل خطوة.
بعد أيام بدأت عائلة عمر بالظهور.
جاؤوا حاملين الطعام.
والدموع.
والكلمات المنمقة.
وكانوا
استقبلتهم عند الباب.
وقلت لهم بهدوء
والده يخضع للتحقيق في مقتل والدته.
ساد الصمت.
ثم غادروا.
وفي الأيام التالية بدأت تصلني رسائل منهم.
يتهمونني بأنني سأزرع الكراهية في قلب أمير.
لكنني لم أرد عليهم.
لأنني لم أكن أحاول أن أملأ قلبه بالكراهية.
بل بالأمان.
ذلك الأمان الذي حُرم منه طويلًا.
استمرت القضية أشهرًا طويلة.
أطول مما يمكن لأي عائلة أن تتحمله دون أن تتشقق من الداخل.
تأجلت جلسات عديدة.
ورفض بعض الشهود الإدلاء بأقوالهم.
وقال بعض الجيران إنهم سمعوا شجارات متكررة لكنهم غير متأكدين مما حدث.
بينما حاول محامو الدفاع تشويه سمعة ريما بكل وسيلة ممكنة.
وخلال تلك الفترة فقد عمر الكثير من وزنه.
وأطلق لحيته.
وتعلم كيف يقف أمام القاضي بملامح رجل نادم.
لكن في كل مرة حاول فيها الدفاع تصوير ريما على أنها امرأة مضطربة ومشوشة...
كان يظهر دليل جديد.
نسخة الفيديو.
وتعديل وثائق التأمين.
والتحويلات المالية.
والتسجيل الصوتي.
والتقارير الطبية التي وثقت آثار الاعتداءات القديمة.
نعم...
كانت ريما خائفة.
لكنها لم تكن ضائعة.
ولم تكن فاقدة لصوابها.
لقد كانت تدرك تمامًا ما يحيط بها.
ولهذا أمضت أيامها الأخيرة في إعداد آخر وسيلة لحماية ابنها.
عندما
في الحقيقة، لا أحد يحتفل بشيء كهذا.
حُكم على عمر بالسجن لسنوات طويلة بسبب وفاة ريما وما ثبت من ممارسات العنف الأسري بحقها.
كما فُتح تحقيق منفصل بشأن الاستيلاء على أموال والدتي وتزوير المستندات والإيصالات.
شعرت بالارتياح.
لكنني لم أشعر بالسلام.
فالسلام لا يأتي مع الأحكام القضائية.
إنه يأتي على هيئة أجزاء صغيرة.
لاحقًا.
عندما ينام الطفل ليلة كاملة دون أن يستيقظ مذعورًا.
عندما يتوقف عن السؤال إن كان والده يستطيع العودة فجأة.
وعندما يضحك من قلبه دون أن يلتفت حوله خوفًا من غضب أحد.
انتقل أمير للعيش معي.
وفي البداية لم يكن يفارق لعبته المحشوة أبدًا.
رغم أنها أصبحت فارغة تمامًا.
كان ينام والضوء مضاءً.
ويفزع كلما سمع اهتزاز أي هاتف.
ذلك الصوت الذي كشف الحقيقة...
ظل عالقًا في ذاكرته كجرح قديم.
أخذته إلى العلاج النفسي.
وذهبت أنا أيضًا.
رغم أنني كنت أقول في البداية إنني لست بحاجة إليه.
وكان ذلك كذبًا.
كنت بحاجة إليه كي أسامح نفسي.
كي أتقبل أنني لم أضغط على ريما عندما أرسلت رسالتها الأخيرة.
وكي أفهم أن الإنسان لا ينجح دائمًا في إنقاذ من يحب.
لكنه يستطيع أن يحمي ما حاول ذلك الشخص حمايته حتى آخر لحظة.
وبمرور الوقت عاد شيء من الحياة إلى منزل
ليس كما كان.
ولن يعود كما كان أبدًا.
لكن أصوات الحياة عادت تدريجيًا.
أصبح أمير يساعدها أحيانًا في سقي النباتات.
متابعة القراءة