انا وحماتي روضه السيد
المحتويات
أصعب خطوة لكن بعدها الطريق بيبقى أوضح.
خرجت الفتاة وهي أكثر ثقة، بينما شعرت مريم أن كل ما مرت به لم يذهب هباءً.
لقد خسرت سنوات من عمرها، وتألمت كثيرًا، لكنها استطاعت أن تمنع الألم من أن ينتقل إلى غيرها.
تمت بعد شهور من انتهاء كل القضايا، بدأت مريم تشعر لأول مرة أن حياتها رجعت هادئة.
انتقلت إلى شقة صغيرة تطل على النيل.
لم تكن فاخرة مثل الفيلا، لكنها كانت أول مكان تشعر فيه بالأمان منذ سنوات.
وفي صباح أحد الأيام، كانت ترتب صندوقًا قديمًا وصلها من البنك، وهو آخر ما تبقى من مقتنيات والدها.
وجدت بداخله ساعة يد قديمة، ومجموعة صور عائلية، ورسالة مغلقة مكتوب عليها بخط والدها
تُفتح إذا شعرتِ يومًا أن الدنيا كلها وقفت ضدك.
ارتجفت يدها وهي تفتح الظرف.
جاء في الرسالة
يا مريم لو بتقري الكلام ده، يبقى أنا مش موجود جنبك. لكن عايزك تعرفي إن القوة مش معناها إنك متعيطيش القوة إنك تقومي بعد كل مرة الدنيا توقعك. أنا واثق إنك هتقدري تفرقي بين الانتقام والعدالة. لو ظلمك حد، سيبيه للقانون، ومتخليش الكراهية تعيش جواكي. وأوعي يومًا تفتكري إنك ضعيفة.
لم تستطع مريم أن تمنع دموعها.
ضمت الرسالة إلى صدرها، وشعرت وكأن والدها ما زال يساندها.
بعد أيام، تلقت دعوة من إحدى كليات الحقوق لإلقاء محاضرة عن العنف الأسري وحقوق الضحايا.
وقفت أمام مئات الطلاب.
كانت آثار الحروق لا تزال ظاهرة على جزء من يدها وعنقها.
حاول أحد المنظمين أن يقترح عليها استخدام مستحضرات تجميل لإخفائها.
ابتسمت وقالت
لا الآثار دي مش حاجة أستخبى منها. دي دليل إني نجوت.
صفق الحاضرون طويلًا.
وفي نهاية المحاضرة، اقتربت منها فتاة في أوائل العشرينيات.
قالت وهي تبكي
أنا كنت هسكت على اللي بيحصلي في بيتي لكن بعد ما سمعت قصتك، قررت أبلغ.
أمسكت مريم بيدها وقالت
أول خطوة هي أصعب خطوة لكن بعدها الطريق بيبقى أوضح.
خرجت الفتاة وهي أكثر ثقة، بينما شعرت مريم أن كل ما مرت به لم يذهب هباءً.
لقد خسرت سنوات من عمرها، وتألمت كثيرًا، لكنها استطاعت أن تمنع الألم من أن ينتقل إلى غيرها.
تمت بعد انتهاء الندوة، وبينما كانت مريم تجمع أوراقها، اقترب منها رجل خمسيني يرتدي بدلة بسيطة.
قال باحترام
أستاذة مريم أنا المستشار حسام، كنت صديقًا لوالدك.
ابتسمت في هدوء.
تشرفت بحضرتك.
أخرج الرجل ملفًا بني اللون ووضعه أمامها.
أبوك سلّمني الملف ده من سبع سنين، وقال لي لو بنتي عدت أصعب امتحان في حياتها، سلّمها الورق ده.
فتحت مريم الملف ببطء.
وجدت عقدًا يحمل اسمها، ومفتاحًا صغيرًا، وخطابًا قصيرًا.
فتحت الخطاب أولًا.
كان مكتوبًا فيه
يا مريم النجاح الحقيقي مش إنك تحافظي على الفلوس، لكن إنك تعرفي تعملي بيها خير. لو وصلتي للمرحلة دي، يبقى افتحي المكتب اللي كنتِ بتحلمي بيه، وخلي بابه مفتوح لكل مظلوم مش قادر يدفع أتعاب محامي.
لم تتمالك دموعها.
أما العقد، فكان يثبت أن والدها اشترى قبل وفاته مبنى إداريًا صغيرًا وسجله باسمها، لكنه أوصى ألا يُسلَّم لها إلا في هذا التوقيت.
بعد أشهر، افتتحت مريم مكتبها الجديد.
خصصت يومين كل أسبوع لتقديم استشارات قانونية مجانية للنساء وكبار السن وكل من لا يستطيع تحمل تكاليف التقاضي.
بدأ اسمها ينتشر من جديد، لكن هذه المرة ليس بسبب القض..ية التي شغلت الرأي العام، بل بسبب القضايا التي كسبتها للمظلومين.
وذات صباح، بينما كانت تستعد لدخول المحكمة، رأت سيدة مسنة تقف أمام الباب تحمل باقة صغيرة من الياسمين.
اقتربت منها وقالت
أنا أم البنت اللي حضرت محاضرتك من سنة. بنتي بلغت عن اللي كان بيعذبها، واتحكم عليه. هي دلوقتي عايشة بأمان، وبتكمل تعليمها.
ناولتها باقة الياسمين، وأضافت
يمكن حضرتك ما أنقذتيش بنتي بإيدك لكن أنقذتيها بكلمة.
أخذت
أدركت أن أقسى تجربة مرت بها أصبحت سببًا في إنقاذ حياة أشخاص لم تكن تعرفهم.
ابتسمت وهي تدخل قاعة المحكمة، وقد تركت الماضي خلفها، لا لأنه اختفى، بل لأنها لم تعد تسمح له بأن يحدد مستقبلها.
النهاية بعد خمس سنوات
كانت مريم تقف أمام مبنى كبير يحمل لافتة جديدة
مؤسسة الشاذلي للدعم القانوني وحماية الأسرة.
لم يكن المكان مجرد مكتب محاماة.
كان يضم محامين، وأخصائيين نفسيين، ومتطوعين يساعدون ضحايا العنف الأسري على بدء حياة جديدة.
وفي يوم الافتتاح، وقف أحد الصحفيين وسألها
لو الزمن رجع بيكي كنتِ هتختاري نفس الطريق؟
سكتت للحظة.
ثم قالت
أكيد لا محدش يختار الألم. لكن لو الألم حصل، لازم نحوله لحاجة تنفع غيرنا.
انتشرت كلماتها في الصحف ومواقع التواصل، وأصبحت مصدر إلهام لكثيرين.
في مساء اليوم نفسه، عاد موظفو المؤسسة إلى منازلهم، وبقيت مريم وحدها في مكتبها.
رن هاتفها.
كان رقمًا دوليًا.
ردت في هدوء.
جاءها صوت مألوف، لكنه أكبر سنًا.
مساء الخير أستاذة مريم.
قطبت حاجبيها.
مين معايا؟
قال الرجل
أنا يوسف ابن عم أحمد.
ساد الصمت.
ثم أكمل
أنا عارف إن اسمي ممكن يضايقك لكن أقسم بالله أنا متصل عشان أصلح غلطة قديمة.
قالت ببرود
اتفضل.
أخذ نفسًا عميقًا.
قبل وفاة عمّي بسنة، أحمد خبّى ملف كامل في خزنة خارج مصر. الملف ده فيه مستندات عن رجال أعمال ومسؤولين كانوا شركاء في عمليات التزوير وغسل الأموال. محدش يعرف مكانه غيري.
لم ترد.
فأكمل
وأنا قررت أسلمه للعدالة.
بعد أسابيع، بدأت تحقيقات جديدة كشفت شبكة فساد أكبر بكثير مما كان يتوقعه الجميع.
ألقي القبض على عدد من المتورطين، واستعيدت ملايين الجنيهات التي كانت قد خرجت بطرق غير مشروعة.
وعندما سأل أحد الضباط مريم
تحبي نذكر اسمك في القض..ية باعتبارك صاحبة البلاغ الأول؟
ابتسمت وقالت
لا المهم إن الحقيقة ظهرت.
وفي نهاية ذلك العام، تلقت رسالة صغيرة من فتاة في السادسة عشرة من عمرها.
كتبت فيها
أنا كنت ههرب من البيت، لكن بعد ما سمعت قصتك، طلبت المساعدة بدل ما أهرب. شكرًا لأنك علمتيني إن السكوت مش هو الحل.
وضعت مريم الرسالة داخل الدرج نفسه الذي احتفظت فيه برسالة والدها.
ثم نظرت من نافذة مكتبها إلى شروق الشمس، وهمست
يمكن الحروق سابت أثر على جسمي لكنها ما قدرتش تحرق روحي.
وانتهت الحكاية، لكن أثرها ظل يعيش في حياة كل شخص وجد الشجاعة ليطلب المساعدة ويواجه الظلم بعد عامين
في إحدى الأمسيات الهادئة، كانت مريم تغلق أبواب المؤسسة عندما توقفت أمامها سيارة سوداء.
نزل منها رجل في السبعين من عمره، يتكئ على عصاه.
نظر إليها طويلًا، ثم قال
أنتِ مريم الشاذلي؟
أومأت برأسها.
ابتسم بحزن وقال
أنا عبد الرحيم كنت شريك والدك.
دعتها للجلوس في المقهى المقابل.
وبعد دقائق، وضع أمامها ظرفًا سميكًا.
قال
أبوك أنقذ شركتي من الإفلاس من عشرين سنة، ورفض ياخد مني أي مقابل. قبل وفاته طلب مني حاجة واحدة.
سألته مريم
إيه هي؟
أجاب
قال لي لو بنتي احتاجت يومًا أي دعم، اعتبرها بنتك.
ابتسمت مريم وهي تنظر إلى الظرف.
فتحته، فوجدت بداخله صك تبرع كبير لمؤسستها، وخطابًا بخط والدها.
قرأته بصوت خافت
يا مريم الخير اللي بنعمله في حياتنا بيرجع لولادنا حتى بعد ما نمشي.
اغرورقت عيناها بالدموع.
في طريق عودتها إلى المنزل، مرت بجوار المستشفى التي دخلتها يوم الحادث.
توقفت للحظات.
نظرت إلى المبنى، وتذكرت تلك الليلة التي ظنت أنها ستكون الأخيرة في حياتها.
ثم ابتسمت ومضت في طريقها.
فقد أدركت أن المكان الذي شهد أسوأ لحظة في حياتها أصبح مجرد ذكرى، بينما المستقبل الذي صنعته بنفسها صار أكبر بكثير من الماضي.
وهكذا أغلقت مريم صفحة الألم، وبدأت تكتب صفحات جديدة عنوانها العدالة،
قالت
أستاذة مريم في ست كبيرة برة، رافضة تقول اسمها، لكنها بتقول إنها لازم تشوفك.
طلبت منها تدخلها.
دخلت سيدة تجاوزت الستين، ترتدي ملابس بسيطة، وكان واضحًا من ملامحها أنها مرهقة.
جلست وهي تمسك حقيبة قديمة بين يديها.
قالت بصوت مكسور
أنا جاية أطلب السماح.
استغربت مريم.
حضرتك مين؟
فتحت السيدة الحقيبة، وأخرجت صورة قديمة.
كانت الصورة لأحمد وهو في سن الجامعة.
قالت السيدة
أنا خالته.
ساد الصمت.
أكملت وهي تبكي
أنا كنت عارفة إن أخته وأمه كانوا بيعاملوكي وحش لكن خوفت أتكلم. قلت دي مشاكل بيت، وهتتحل لوحدها.
خفضت رأسها.
ولما عرفت إنه حرقك كنت خلاص فقدت القدرة أواجه الحقيقة.
أخرجت من الحقيبة دفتر توفير.
وقالت
ده كل اللي أقدر أعمله. المبلغ ده حطيه في المؤسسة يساعد أي ست محتاجة. اعتبريه صدقة عن كل سكوتنا.
دفعت مريم الدفتر إليها برفق.
وقالت
لو عايزة تعملي خير، اعمليه بإرادتك، لكن مش علشان تشيلي ذنب غيرك. الذنب بيتحاسب عليه صاحبه.
بكت السيدة أكثر.
وقبل أن تغادر، قالت
ربنا يعوض قلبك يا بنتي.
ابتسمت مريم لأول مرة منذ بداية اللقاء.
ربنا يعوضنا كلنا.
خرجت السيدة، بينما ظلت مريم تنظر إلى الباب.
أدركت أن بعض الجروح لا يداويها العقاب وحده، بل الاعتراف بالخطأ أيضًا.
ومنذ ذلك اليوم، أطلقت المؤسسة حملة جديدة بعنوان
السكوت مش حياد.
وكان شعارها
لما تشوف ظلم وتقدر تمنعه، متقولش دي مشكلة عائلية لأن الصمت أحيانًا بيكون جزءًا من الجري..مة.
وانتشرت الحملة في مدارس وجامعات ومراكز شباب، وأصبحت سببًا في تشجيع كثير من الأشخاص على الإبلاغ عن حالات عنف وإنقاذ ضحايا قبل فوات الأوان.
وهكذا، لم تعد قصة مريم مجرد حكاية نجاة، بل أصبحت بداية لتغيير حقيقي في حياة كثيرين بعد إطلاق حملة السكوت مش حياد بأشهر، بدأت البلاغات تزيد بشكل غير متوقع.
وفي أحد الأيام، دخلت إلى المؤسسة فتاة صغيرة لا يتجاوز عمرها أربعة عشر عامًا، تمسك يد شقيقها الأصغر.
كانت ترتجف.
جلست أمام مريم، ولم تقل شيئًا.
فقد كانت تنظر فقط إلى آثار الحروق القديمة على يدها.
سألتها مريم بلطف
اسمك إيه؟
قالت بصوت خافت
ندى.
ثم انفجرت في البكاء.
أنا جيت هنا عشان شوفت صورتك في الحملة وعرفت إن حد هيصدقني.
شعرت مريم بقشعريرة تسري في جسدها.
كانت تلك الجملة وحدها كافية لتدرك أن كل ما مرت به لم يكن بلا معنى.
استغرقت قض..ية ندى عدة أشهر.
وبعد تحقيقات مطولة، تمكنت الجهات المختصة من إخراجها هي وشقيقها من بيئة خطرة، وتوفير الحماية لهما وفق الإجراءات القانونية.
وفي اليوم الذي انتهت فيه القض..ية، وقفت ندى أمام مريم وقدمت لها وردة بيضاء.
وقالت بابتسامة
أنا دلوقتي هعرف أنام من غير خوف.
احتضنتها مريم، وشعرت أن تلك الوردة أثمن من أي جائزة حصلت عليها.
وفي مساء ذلك اليوم، عادت إلى منزلها.
جلست أمام نافذة الشرفة، وأخرجت رسالة والدها القديمة.
لم تقرأها هذه المرة.
اكتفت بوضعها على الطاولة، وهمست
يا بابا أظن إني نفذت وصيتك.
وفي تلك اللحظة، رن هاتفها.
كانت الدكتورة دينا.
قالت وهي تضحك
أخبار المحامية المشهورة إيه؟
ضحكت مريم لأول مرة منذ أيام.
الحمد لله.
قالت دينا
فاكرة أول يوم شفتك فيه في المستشفى؟
تنهدت مريم.
أنساه إزاي؟
ردت دينا
أنا كنت فاكرة إني أنقذت مريضة لكن الحقيقة إنك بعد السنين دي أنقذت ناس أكتر بكتير.
سكتت مريم للحظة، ثم قالت
يمكن ربنا كتب لكل واحد فينا دور.
أغلقت الهاتف، ونظرت إلى السماء.
ابتسمت في هدوء، وقد أدركت أن أصعب فصول حياتها أصبحت مجرد بداية لقصة أكبر قصة لم تعد عن الألم، بل عن النجاة، والعدل، ومنح الآخرين فرصة جديدة للحياة
في صباح ربيعي هادئ، كانت مريم تراجع ملفات إحدى القضايا عندما دخلت السكرتيرة مبتسمة.
قالت
في ضيف بيقول إنه يعرفك من زمان.
رفعت مريم رأسها.
دخل رجل في أواخر الثلاثينيات، يحمل طفلة صغيرة على كتفه.
تأملت وجهه قليلًا، ثم اتسعت عيناها.
أستاذ كريم؟
ابتسم الرجل.
كان الرائد كريم، ضابط المباحث الذي تولى أول تحقيق في قضيتها.
لكن هذه المرة لم يكن يرتدي الزي الرسمي.
جلس أمامها وقال ضاحكًا
واضح إنك افتكرتيني.
قالت
أنسى أول شخص صدقني؟ مستحيل.
أنزل الطفلة من على كتفه.
ركضت الصغيرة نحو مكتب مريم وهي تضحك.
قال كريم
دي بنتي اسمها دينا.
ابتسمت مريم.
على اسم الدكتورة؟
هز رأسه.
أيوه أنا والدكتورة دينا اتجوزنا بعد القض..ية بسنتين.
ضحكت مريم من قلبها.
دي أول مرة أعرف.
قال كريم
وإحنا جايين النهارده علشان نعزمك على عيد ميلادها.
في نهاية الأسبوع، حضرت مريم الحفل.
كانت الحديقة مليئة بالأطفال.
رأت الدكتورة دينا من بعيد، فاحتضنتها بحرارة.
قالت دينا
لو حد قال لي يوم دخلتي المستشفى إننا هنبقى قاعدين بعد سنين بنحتفل مع بعض، ما كنتش هصدقه.
ردت مريم
ولا أنا.
وفي أثناء الحفل، اقتربت منها سيدة شابة.
قالت
حضرتك فاكراني؟
هزت مريم رأسها بالنفي.
ابتسمت السيدة.
أنا ندى البنت اللي دخلت مؤسستك وهي خايفة.
تجمدت مريم في مكانها.
كانت ندى قد أصبحت شابة واثقة بنفسها.
وقالت بفخر
أنا في آخر سنة في كلية الحقوق.
لم تستطع مريم أن تخفي دموعها.
بجد؟
قالت ندى
أنا اخترت حقوق علشان أبقى زيك.
احتضنتها مريم طويلًا.
وشعرت أن أجمل انتقام من الماضي هو أن يتحول الألم إلى أمل في حياة شخص آخر.
وبينما كانت الشمس تغيب، جلست تنظر إلى الأطفال وهم يركضون ويضحكون.
تذكرت تلك الليلة التي ظنت أنها نهاية كل شيء.
ثم ابتسمت لنفسها.
لأنها عرفت أخيرًا أن بعض النهايات ليست نهاية بل بداية لحياة لم تكن تتخيلها أبدًا بعد الحفل بأيام، كانت مريم ترتب مكتبتها عندما وصلها ظرف أبيض دون اسم مرسل.
ترددت قبل أن تفتحه.
في الداخل وجدت ورقة واحدة، مكتوبًا عليها بخط يد تعرفه جيدًا.
كان خط أحمد.
تسارعت دقات قلبها، وبدأت تقرأ
مريم يمكن يكون آخر خطاب أوصلك مني. من وأنا في السجن وأنا كل يوم بسأل نفسي إمتى بقيت الشخص اللي حرق كل حاجة حلوة في حياته؟ كنت فاكر إن القوة معناها السيطرة، وإن الفلوس أهم من أي إنسان. خسرتك وخسرت أمي وخسرت نفسي. أنا مش بطلب ترجعي، ولا بطلب تسامحيني. بطلب حاجة واحدة لو في يوم سمعتي إني مت، ادعيلي ربنا يسامحني.
أغلقت مريم الخطاب بهدوء.
لم تبكِ.
ولم تبتسم.
وضعت الرسالة في درج مكتبها، وقالت لنفسها
كل واحد بيعيش نتيجة اختياراته.
بعد شهر، وصلها اتصال من إدارة السجن.
أخبروها أن أحمد تعرض لأزمة قلبية حادة، وأنه توفي بعد نقله إلى المستشفى.
أغلقت الهاتف في صمت.
جلست دقائق طويلة تنظر من نافذة مكتبها.
دخلت عليها الدكتورة دينا، التي كانت تزورها في المؤسسة.
لاحظت شرودها، وسألت
في حاجة حصلت؟
ناولتها مريم الخطاب.
قرأته دينا بصمت، ثم أعادته إليها.
قالت
هتروحي الجنازة؟
هزت مريم رأسها.
لأ.
سألتها دينا
زعلانة؟
أجابت بعد تفكير طويل
أنا حزينة على الإنسان اللي كان ممكن يبقى شخص كويس واختار طريق تاني.
في تلك الليلة، وقفت مريم بعد صلاة العشاء.
رفعت يديها بالدعاء.
وقالت بهدوء
اللهم إن كنت تعلم أنه ندم ندمًا صادقًا، فاغفر له بما شئت من رحمتك فأنت أعلم بالقلوب.
ثم أنهت دعاءها.
وفي الصباح التالي، عادت إلى عملها كأن شيئًا لم يحدث.
كان أمامها عشرات الملفات، وعشرات الأشخاص الذين ينتظرون من يقف بجانبهم.
وأدركت أن الماضي انتهى بالفعل.
ليس لأن الزمن محاه
بل لأنها لم تعد سجينة له مرّت سنوات أخرى، وأصبحت مؤسسة مريم
وفي صباح أحد الأيام، كانت تستعد لإلقاء كلمة في مؤتمر كبير، عندما دخل عليها شاب في منتصف العشرينيات.
كان متوترًا، ويحمل ملفًا قديمًا.
قال
حضرتك أستاذة مريم؟
ابتسمت.
أيوه اتفضل.
وضع الملف أمامها وقال
أنا اسمي عمر ابن أحمد.
تجمدت
متابعة القراءة