انا وحماتي روضه السيد
المحتويات
مريم في مكانها.
كانت تعرف أن أحمد كان له ابن من زواج سابق، لكنه كان يعيش مع والدته خارج مصر، ولم تره من قبل.
قال الشاب بسرعة وكأنه يخشى أن تقاطعه
أنا عارف إن وجودي ممكن يضايقك لكن أنا مش جاي أدافع عن أبويا.
فتح الملف.
أخرج منه مجموعة أوراق، ثم قال
بعد وفاة أبويا، لقيت مذكرات كتبها في السجن. كان كاتب فيها كل حاجة واعترف بكل أخطائه، وطلب مني حاجة واحدة.
نظرت إليه في صمت.
قال لي لو قابلتِ مريم يومًا قول لها إني فهمت متأخر إن الرجولة عمرها ما كانت بالقسوة.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم دفع إليها دفترًا صغيرًا.
قال
أنا مش هسيبه عند حضرتك ده شيء خاص. بس حبيت أنفذ آخر وصية قالها.
ابتسمت مريم ابتسامة هادئة.
شكرًا إنك جيت.
قال عمر
أنا كمان جيت علشان أقولك حاجة تانية.
إيه هي؟
ابتسم بخجل.
أنا متطوع في جمعية بتساعد الأطفال الأيتام وحبيت أبدأ أصلح اللي أقدر أصلحه في حياتي.
نظرت إليه مريم بعينين يملؤهما التقدير.
ثم قالت
الإنسان مش بيتحاسب على ذنب غيره المهم هو الطريق اللي بيختاره لنفسه.
ارتاحت ملامح عمر لأول مرة.
وقف ليستأذن في الانصراف.
وقبل أن يخرج، التفت إليها وقال
ربنا يجزيكي خير.
ردت بابتسامة
وربنا يثبتك على الخير.
خرج الشاب، بينما بقيت مريم تنظر إلى الباب للحظات.
ثم أغلقت الملف الذي كانت تعمل عليه، وأخذت نفسًا عميقًا.
حان موعد المؤتمر.
وقفت على المنصة، ونظرت إلى الحضور.
وقالت في بداية كلمتها
العدالة لا تعني الكراهية والنجاة لا تعني النسيان. أحيانًا يكون أعظم انتصار هو أن تمنع الألم من أن يتحول إلى دائرة لا تنتهي.
وقف الحاضرون يصفقون طويلًا.
وفي تلك اللحظة، شعرت مريم أن رحلتها اكتملت؛ فقد انتصرت بالقانون، ونجت بالإرادة، واختارت أن تترك وراءها أثرًا من الرحمة بدلًا من الانتقام. النهاية الحقيقية بعد انتهاء المؤتمر، وبينما كانت مريم تهمّ بمغادرة القاعة، اقتربت منها صحفية شابة وسألتها
لو رجع بيكي الزمن لليوم اللي دخلتي فيه المستشفى كنتِ تتمني حد يقولك إيه؟
ابتسمت مريم للحظة، ثم قالت
كنت أتمنى حد يقول لي هتتعبي لكن هتنجي. ومهما طال الطريق، الحقيقة هتوصل.
انتشر المقطع على مواقع التواصل، ووصلت إليها آلاف الرسائل من أشخاص يحكون لها قصصهم.
لكن كانت هناك رسالة مختلفة
كانت من فتاة كتبت
أنا بنت سعاد.
توقفت مريم عن القراءة.
لم تكن تعلم أن لحماتها ابنة تعيش في محافظة أخرى، وكانت قد قطعت علاقتها بأسرتها منذ سنوات.
أكملت الرسالة
أنا معرفتش باللي حصل إلا بعد الحكم. قطعت علاقتي بأمي من وقتها، لكني فضلت عايشة وأنا حاسة بالذنب لمجرد إني بنتها. هل ممكن أقابلك؟
فكرت مريم طويلًا، ثم وافقت.
في اليوم المحدد، جاءت الفتاة.
كانت في أوائل الثلاثينيات، وعيناها مليئتان بالخجل.
قالت فور أن جلست
أنا مش جاية أطلب منك تسامحي أمي.
هزت مريم رأسها في هدوء.
ولا جاية أدافع عنها.
ثم أخرجت صورة قديمة.
كانت الصورة لسعاد وهي شابة، تحمل طفلتها الصغيرة.
قالت الفتاة
أمي كانت قاسية معايا وأنا صغيرة ولما كبرت، سبت البيت ومشيت. كنت فاكرة إني الوحيدة اللي عرفت وشها الحقيقي.
ساد الصمت.
ثم أضافت
لما سمعت اللي عملته فيكي فهمت إني كنت محقة لما بعدت.
تنهدت مريم وقالت
كل إنسان مسؤول عن أفعاله مش عن أفعال أهله.
بدأت الفتاة تبكي.
أول مرة حد يقولي الجملة دي.
قبل أن تغادر، قالت
أنا حامل في بنت.
ابتسمت مريم.
ربنا يقومك بالسلامة.
قالت الفتاة وهي تمسح دموعها
قررت أسميها مريم مش علشان اللي حصل، لكن علشان كل مرة كنت بشوف اسمك فيها، كنت بتأكد إن الإنسان يقدر يكسر دائرة الظلم.
لم تستطع مريم الرد.
اكتفت باحتضانها.
وعندما خرجت الفتاة، وقفت مريم أمام نافذة مكتبها، تتأمل السماء.
همست
يمكن الشر يسيب أثر لكن الخير
وأغلقت الستارة، وعادت إلى عملها، لأن رسالتها لم تكن أن تعيش في الماضي، بل أن تساعد من لا يزالون يحاولون النجاة منه بعد ستة أشهر، تلقت مريم دعوة لحضور افتتاح دار رعاية جديدة للنساء والأطفال الناجين من العنف.
عندما وصلت، فوجئت بأن المبنى يحمل اسمًا لم تكن تتوقعه
دار محمود الشاذلي للأمان.
وقفت للحظات، والدموع تلمع في عينيها.
اقترب منها مدير الدار وقال
إحنا سمّيناه على اسم والدك، لأنه كان سببًا غير مباشر في كل الخير اللي بدأ بعد قصتك.
دخلت مريم وهي تشعر أن روح والدها حاضرة في المكان.
وأثناء جولتها، شدّت انتباهها طفلة صغيرة كانت ترسم على ورقة.
جلست بجوارها وسألتها
بترسمي إيه؟
رفعت الطفلة الورقة.
كانت رسمة لبيت، وشمس، وامرأة تمسك يد طفل.
قالت الطفلة
ده بيتي الجديد.
ابتسمت مريم.
حلو قوي.
قالت الطفلة ببراءة
قبل كده كنت بخاف أنام دلوقتي بقيت بنام من غير ما أخاف.
شعرت مريم أن قلبها امتلأ بالسك ينة.
وقبل أن تغادر الدار، أوقفتها المديرة.
وقالت
في حاجة لازم تشوفيها.
أخذتها إلى آخر الممر.
كانت هناك لوحة كبيرة عليها أسماء الأشخاص الذين ساهموا في إنشاء الدار.
وفي آخر اللوحة، كُتب سطر واحد
إلى كل ناجٍ اختار أن يحوّل ألمه إلى أمل.
نظرت مريم إلى الكلمات طويلًا.
ثم ابتسمت.
لم تطلب يومًا أن يُكتب اسمها على جدار.
كان يكفيها أن ترى الأطفال يضحكون، والنساء يشعرن بالأمان، لتعرف أن رحلتها لم تكن عبثًا.
خرجت من الدار مع غروب الشمس.
رفعت وجهها إلى السماء وهمست
الحمد لله.
ثم واصلت السير بخطوات هادئة.
فقد أصبحت تعرف أن بعض القصص لا تنتهي عندما يُغلق آخر ملف في المحكمة
بل تبدأ من جديد، كلما وجد إنسان شجاعة ليقول
لن أسكت بعد اليوم في مساء اليوم نفسه، وبينما كانت مريم تستعد لإغلاق مكتبها، رن هاتف الطوارئ الخاص بالمؤسسة.
ردت بسرعة.
جاءها صوت فتاة يختنق من البكاء
أرجوكي متقفليش الخط.
قالت مريم بهدوء
أنا معاكي اتكلمي براحتك.
قالت الفتاة
أنا اسمي سلمى وحصل معايا تقريبًا نفس اللي حصل معاكي من سنين.
سكتت مريم، وأخذت تستمع دون أن تقاطعها.
حكت سلمى كيف كانت تتعرض للإهانة والضرب، وكيف كان الجميع يطلب منها أن تتحمل عشان البيت ما يتهدش.
وعندما انتهت، قالت بصوت مرتعش
أنا خايفة ومش عارفة أبدأ منين.
ابتسمت مريم رغم أن الفتاة لا تراها.
وقالت
أول خطوة إنك طلبتي المساعدة. ودي أصعب خطوة.
في اليوم التالي، وصلت سلمى إلى المؤسسة.
استقبلها فريق من المحامين والأخصائيين.
ولم تكن وحدها.
كان معها طفلها الصغير، الذي لم يترك يدها طوال الوقت.
اقتربت مريم من الطفل وسألته
اسمك إيه يا بطل؟
قال وهو يبتسم بخجل
محمود.
ابتسمت مريم دون أن تخفي تأثرها.
كان الاسم يعيد إليها ذكرى والدها.
استغرقت القض..ية أشهرًا، لكن في النهاية حصلت سلمى على الحماية القانونية، وبدأت حياة جديدة مع طفلها.
وفي آخر يوم قبل أن تغادر المؤسسة، وقفت أمام مريم وقالت
أنا كنت فاكرة إن حياتي انتهت لكن دلوقتي حاسة إنها لسه بتبدأ.
ابتسمت مريم وقالت
كل بداية جديدة بتحتاج شجاعة وإنتِ كان عندك الشجاعة دي.
خرجت سلمى وهي تمسك يد ابنها، بينما وقفت مريم تتابعهما بعينيها.
همست لنفسها
زمان كنت أنا اللي محتاجة حد يفتحلي الباب ودلوقتي بقيت أنا اللي بفتحه لغيري.
ثم أغلقت المكتب، وأطفأت الأنوار، وغادرت في هدوء.
وفي قلبها يقين واحد
أن الخير، مهما بدا صغيرًا، يمكن أن يغيّر حياة إنسان وحياة إنسان واحد قد تغيّر حياة آلاف غيره بعد مرور عام، كانت مؤسسة مريم قد توسعت، وافتتحت فرعًا جديدًا في محافظة أخرى.
وفي يوم الافتتاح، فوجئت بوجه تعرفه جيدًا.
كانت الممرضة التي كانت معها في أول ليلة بالمستشفى.
اقتربت منها وهي تبتسم.
وقالت
فاكراني؟
ضحكت مريم.
إزاي أنساكي؟ إنتِ أول واحدة مسكت إيدي وأنا فاكرة إني هموت.
ابتسمت الممرضة وقالت
في حاجة عمري ما حكيتها لحد.
استغربت مريم.
إيه هي؟
قالت
في الليلة دي بعد ما خرجتي من العمليات، أحمد حاول يدخل أوضتك لوحده.
اتسعت عينا مريم.
يدخل يعمل إيه؟
أخذت الممرضة نفسًا عميقًا.
قال إنه عايز يطمن عليكي لكن طريقته كانت غريبة. ولما طلبت منه يستنى، اتعصب جدًا.
سكتت لحظة ثم أكملت
الدكتورة دينا رفضت دخوله، وأصرت يكون في فرد أمن واقف قدام الأوضة طول الليل.
شعرت مريم بقشعريرة.
يعني
هزت الممرضة رأسها.
معرفش كان ناوي يعمل إيه لكن الدكتورة قالت وقتها طول ما المريضة تحت مسؤوليتي، محدش هيقرب منها.
ابتسمت مريم بحزن.
أنا عمري ما شكرتها على الموقف ده.
قالت الممرضة
هي عمرها ما استنت مقابل.
في المساء، ذهبت مريم إلى المستشفى.
وجدت الدكتورة دينا قد انتهت من عملها.
جلستا في كافتيريا المستشفى، نفس المكان الذي بدأت فيه الحكاية قبل سنوات.
قالت مريم
أنا عرفت النهارده إنك منعتي أحمد يدخل أوضتي.
ابتسمت دينا وقالت ببساطة
كنت بعمل شغلي.
ردت مريم
لا كنتِ بتحميني.
ضحكت دينا.
يمكن.
ثم أضافت وهي تنظر من النافذة
في شغلنا بنشوف ناس كتير، لكن في حالات بنفضل فاكرينها طول العمر.
قالت مريم
وأنا هفضل فاكرة إن في الليلة اللي حسيت فيها إن الدنيا كلها ضدي كان في ناس وقفت جنبي من غير ما تعرفني.
وقبل أن تفترقا، أخرجت مريم من حقيبتها صندوقًا صغيرًا.
ناولته للدكتورة.
فتحته دينا، فوجدت بداخله قلمًا فضيًا منقوشًا عليه عبارة
لمن اختارت أن تنقذ إنسانة لا مجرد مريضة.
اغرورقت عينا دينا بالدموع.
وقالت
ده أغلى تكريم خدته في حياتي.
ابتسمت مريم.
وأقل حاجة أقدر أعملها.
خرجتا من المستشفى معًا.
كان الليل هادئًا، لكن هذه المرة لم تكن مريم تخرج منه مصابة وخائفة
بل كانت تخرج منه ممتنة، وهي تعلم أن في أصعب لحظات الحياة، قد يغيّر موقف شجاع من شخص واحد مصير إنسان بالكامل بعد أسبوع من زيارة المستشفى، كانت مريم جالسة في مكتبها عندما دخلت السكرتيرة وهي تحمل صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
قالت
الصندوق ده اتبعت من البنك، وقالوا إنه كان في خزنة باسم والد حضرتك، ومسموح يتسلم ليكي النهارده بس.
تعجبت مريم.
أنا كنت فاكرة إن كل حاجة خلصت.
وقّعت على الاستلام، ثم فتحت الصندوق بحذر.
كان بداخله مفتاح نحاسي قديم، وساعة جيب، وظرف مختوم بالشمع الأحمر.
كسرت ختم الظرف.
وفي الداخل وجدت رسالة قصيرة
يا مريم لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى أنا مطمن إنك قدرتي تعدّي كل اللي كان مستنيكي. المفتاح ده يفتح بيت جدك في القرية. يمكن الناس تكون نسيته لكن أنا متأكد إنك هتعرفي قيمته.
في اليوم التالي، قررت مريم السفر إلى القرية التي لم تزرها منذ طفولتها.
كان البيت قديمًا، تحيط به أشجار الجميز والنخيل، وقد غطى الغبار نوافذه.
أدارت المفتاح بصعوبة.
فتح الباب بصرير طويل.
دخلت وهي تتأمل المكان.
كل شيء كان كما تركه الزمن.
صور قديمة على الجدران، ومكتبة خشبية، وسجادة عتيقة في منتصف الصالة.
وبينما كانت تتجول، لاحظت أن إحدى بلاطات الأرض مختلفة قليلًا عن غيرها.
انحنت وأزاحتها.
وجدت صندوقًا معدنيًا صغيرًا.
فتحته، فوجدت بداخله ألبوم صور.
كانت أول صورة لوالدها وهو شاب، يقف بجوار رجل بسيط يرتدي جلبابًا.
وعلى ظهر الصورة كُتب
أول موظف وثق فيّ قبل ما أبقى رجل أعمال.
قلبت الصفحات.
كانت كلها تحكي رحلة والدها من شاب بدأ من الصفر إلى رجل ناجح، دون أن ينسى من وقفوا معه.
وفي آخر الألبوم، وجدت ورقة مطوية.
فتحَتها.
كان مكتوبًا فيها
الثروة الحقيقية مش اللي في البنوك الثروة الحقيقية هي السمعة الطيبة، والناس اللي تدعيلك من قلبها.
أغلقت مريم الألبوم، وابتسمت.
لم تجد كنزًا من
لكنها وجدت شيئًا أثمن
وجدت السبب الحقيقي الذي جعل والدها يترك لها كل تلك الوصايا.
خرجت من البيت قبل الغروب، وأغلقت الباب بالمفتاح.
ثم قالت وهي تنظر إلى السماء
أعدك يا بابا هفضل أحافظ على اسمك، مش بثروتك لكن بأخلاقك.
وركبت سيارتها عائدة، وقد شعرت أن آخر صفحة من قصة والدها أصبحت أول صفحة في مستقبلها بعد أسبوع من زيارة المستشفى، كانت مريم جالسة في مكتبها عندما دخلت السكرتيرة وهي تحمل صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
قالت
الصندوق ده اتبعت من البنك، وقالوا إنه كان في خزنة باسم والد حضرتك، ومسموح يتسلم ليكي النهارده بس.
تعجبت مريم.
أنا كنت فاكرة إن كل حاجة خلصت.
وقّعت على الاستلام، ثم فتحت الصندوق بحذر.
كان بداخله مفتاح نحاسي قديم، وساعة جيب، وظرف مختوم بالشمع الأحمر.
كسرت ختم الظرف.
وفي الداخل وجدت رسالة قصيرة
يا مريم لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى أنا مطمن إنك قدرتي تعدّي كل اللي كان مستنيكي. المفتاح ده يفتح بيت جدك في القرية. يمكن الناس تكون نسيته لكن أنا متأكد إنك هتعرفي قيمته.
في اليوم التالي، قررت مريم السفر إلى القرية التي لم تزرها منذ طفولتها.
كان البيت قديمًا، تحيط به أشجار الجميز والنخيل، وقد غطى الغبار نوافذه.
أدارت المفتاح بصعوبة.
فتح الباب بصرير طويل.
دخلت وهي تتأمل المكان.
كل شيء كان كما تركه الزمن.
صور قديمة على الجدران، ومكتبة خشبية، وسجادة عتيقة في منتصف الصالة.
وبينما كانت تتجول، لاحظت أن إحدى بلاطات الأرض مختلفة قليلًا عن غيرها.
انحنت وأزاحتها.
وجدت صندوقًا معدنيًا صغيرًا.
فتحته، فوجدت بداخله ألبوم صور.
كانت أول صورة لوالدها وهو شاب، يقف بجوار رجل بسيط يرتدي جلبابًا.
وعلى ظهر الصورة كُتب
أول موظف وثق فيّ قبل ما أبقى رجل أعمال.
قلبت الصفحات.
كانت كلها تحكي رحلة والدها من شاب بدأ من الصفر إلى رجل ناجح، دون أن ينسى من وقفوا معه.
وفي آخر الألبوم، وجدت ورقة مطوية.
فتحَتها.
كان مكتوبًا فيها
الثروة الحقيقية مش اللي في البنوك الثروة الحقيقية هي السمعة الطيبة، والناس اللي تدعيلك من قلبها.
أغلقت مريم الألبوم، وابتسمت.
لم تجد كنزًا من الذهب.
لكنها وجدت شيئًا أثمن
وجدت السبب الحقيقي الذي جعل والدها يترك لها كل تلك الوصايا.
خرجت من البيت قبل الغروب، وأغلقت الباب بالمفتاح.
ثم قالت وهي تنظر إلى السماء
أعدك يا بابا هفضل أحافظ على اسمك، مش بثروتك لكن بأخلاقك.
وركبت سيارتها عائدة، وقد شعرت أن آخر صفحة من قصة والدها أصبحت أول صفحة في مستقبلها بعد عودتها من القرية، لم تستطع مريم أن تنسى البيت القديم.
وفي أحد الأيام، اتخذت قرارًا مفاجئًا.
استدعت المهندس المسؤول عن المؤسسة وقالت له
عايزة بيت جدي يرجع يعيش من تاني لكن مش ليا.
سألها باستغراب
تقصدي إيه؟
ابتسمت وقالت
هنحوله لمكتبة ومركز تعليم مجاني للأطفال.
استغرقت أعمال الترميم عدة أشهر.
كانت مريم تزور المكان كل أسبوع.
وأصرت أن تظل المكتبة الخشبية القديمة كما هي، وأن تُعلَّق صور والدها وجدها في المدخل.
وفي يوم الافتتاح، امتلأ البيت بأطفال القرية.
كانوا يجرون بين الأرفف، يختارون القصص والكتب لأول مرة في حياتهم.
اقترب منها طفل صغير وقال
هو إحنا نقدر ناخد الكتب دي ببلاش؟
ضحكت مريم.
مش بس تاخدها كمان ترجعها لما تخلصها، وتاخد غيرها.
ابتسم الطفل وكأنه حصل على كنز.
وفي نهاية اليوم، بينما كان الجميع يغادر، لاحظت مريم رجلًا مسنًا يقف أمام صورة والدها.
كان ينظر إليها في صمت.
اقتربت منه
قال الرجل
أنا كنت صاحبه.
ابتسمت.
حضرتك تعرف بابا؟
هز رأسه.
لما كان شاب، كان بيجي يذاكر تحت عمود النور في الشارع، لأنه ما كانش عنده كهربا في البيت.
تفاجأت مريم.
لم تكن تعرف هذه القصة.
أكمل الرجل
كان يقول دايمًا لو ربنا كرمني،
نظر حوله إلى المكتبة المليئة بالأطفال.
ثم ابتسم وقال
واضح إنه وفّى بوعده حتى بعد وفاته.
اغرورقت عينا مريم بالدموع.
نظرت إلى الأطفال وهم يقرأون ويضحكون، وشعرت أن وصايا والدها لم تعد كلمات على ورق، بل أصبحت واقعًا يعيشه الناس.
وقبل أن تغادر، علّقت لافتة صغيرة عند مدخل البيت، كُتب عليها
العلم
متابعة القراءة